
الكاتب حميد لشهب
الاثنين, 21 ديسمبر 2009 17:51
خواطر ونصوص
يقول حنفي: "لقد استطاع الوعي الأوروبي في بداية اكتشافه الأنا أفكر عند ديكارت و كانط، و قامت المثالية الأوروبية كلها على هذا الاكتشاف. و الآن يكتشف الوعي الأوروبي في نهايته الأنا موجود عند سارتر
و فلاسفة الوجود بوجه عام.
فالأنا موجود خال من أي تجويف داخلي تصب فيه المعرفة، بل هو وجود جسمي مع الآخرين، و في العالم.
و إذا كان الأنا أفكر في البداية قد وصف الله بالتعالي، فإن الأنا موجود قد استرد التعالي في النهاية و وصف به نفسه في "تعالي الأنا موجود".
و السؤال الآن لنا: هل اكتمل الوعي الأوروبي، بداية في الأنا أفكر، و نهاية في الأنا موجود؟ هل يمكن لوعي العالم الثالث و الشعوب النامية المتحررة حديثا أن تعثر لها على بداية، و أن تكون لها الريادة؟". لقد أثار هذا النص انتباهنا لأنه يعبر بوضوح عن هدف حنفي من دراسته للغرب. و لم نجد بدا من استحضاره لأنه سوف يقربنا أكثر من أطروحاته في هذا المجال. و لا يفترق اثنان في كون الموقف الأساسي لحنفي منذ باكورة أطروحاته هو موقف دفاع عن الشرق المهيمن عليه. و حتى و إن كان في جل كتاباته قد عرف بما فيه الكفاية ما يقصده بالشرق، و ما يعنيه بالغرب، فإنه في كثير من الأحيان قد سقط في نوع من أدلجة الشرق، و الاحتفاظ للغرب بتعريف سياسي ديني فقط. و غالبا ما يقصد بالغرب أوروبا الغربية و الولايات المتحدة الأمريكية. و أدلجة الشرق تتضح في كونه كان يريد، أو كان يحلم، بقيام شرق مسلم كقطب ثالث في زمان العالم ذي القطبين. و عندما سقط قطب المعسكر الشرقي الشيوعي، اتضحت الصعوبات الجمة التي تقف أمام الشرق المسلم ليدخل حلبة معركة اقتسام النفوذ في العالم.
و حتى و إن كان حنفي قد تحدث أيضا عن الشرق بمفهوم أوسع، و أشار إلى الحضارات التي تعاقبت على هذا الشرق في مفهومه الجغرافي، فإنه قد قام بذلك أساسا لتعزيز أطروحة أخرى له، و المتمثلة في كون الشرق بطبعه هو مهد للحضارات، و قد كانت الحضارة الإسلامية أوج ما وصل إليه الشرق؛ و لهذا السبب كان من الواجب الحفاظ عليها و الدفاع عليها.
لكن ما لم يناقش فيه بما فيه الكفاية لا حنفي و لا مفكرين عرب آخرين في مثل هذه الأطروحات، هو أن خطاباتهم في هذا الميدان لم تتجاوز مستوى الشعارات أو الدراسات الأكاديمية النخبوية المعمقة و المعقدة. لم يتجاوز جل باحثينا في هذا الإطار مرحلة الدفاع، و محاولة بعث حركة عربية نهضوية. و حتى و إن كانت جل الخطابات العربية المعاصرة تؤكد على أننا نعيش مرحلة ما بعد النهضة، فإن الواقع العالمي المر يفرض على الباحث الشاب إعادة النظر في مثل هذه الأطروحات، و الاعتراف بالهزيمة، و فهم مصادرها و أسبابها، لكي يستطيع القيام بتلك القفزة النوعية في تاريخه، إذا كانت هذه القفزة سوف تتحقق بالفعل في القرون المقبلة.
إن فكر الشعارات و استحثاث الهمم هو الخاصية الأساسية للفكر العربي منذ أن وعى قبل ثلاثة قرون خلت تخلفه، و منذ أن وطأة أرضه أقدام الاغتصاب الامبريالي. و هو فكر لم يتطور إلى مستوى التخطيط الدقيق و الموضوعي للخطوات التي يجب علينا القيام بها من أجل إما اللحاق بقطار العالم المتفوق علينا، أو رسم معالم طريق فريد لنا قد نغري بها إنسان القرون القادمة. لم يطالعنا أي باحث عربي بأي مشروع متكامل برؤى واضحة و متكاملة لغد أفضل. لازلنا نتعثر في حبال أطروحات الأصالة أو المعاصرة، الرجوع إلى الوراء للاحتماء بالتراث ضد هجمات سياط القدر، أو الهروب في أحضان النظريات الغربية التي نعتقد أنها غريبة عنا. لازلنا لم نتحرر بعد من الشعور بكراهية الغرب، هذا الشعور الناتج أساسا عن خوفنا من هذا الغرب. لازلنا نحمل في أيدينا تعودة دفاعنا عن عقيدتنا، على الرغم من أن هذه الأخيرة في حد ذاتها ليست و لم تكن في خطر. بعبارة أدق، فإن كل ما قام به الباحث إلى حد الساعة هو محاولة ترميم حائط التراث، بمنطق تاريخاني حضاري، دون التجرؤ على إعادة البناء من جديد. و قد دامت عملية الترميم هذه أكثر من المتوقع. لم يستوعب تراثنا في شموليته بما فيه الكفاية، نظرا لأن عملية التقطيع التي كان ضحيتها قد أساءت له أكثر من اللازم. لقد انغمس كل باحث في طريق معتقدا أنه الطريق الأصيل الوحيد، و نلاحظ فقاعات دراسات التراث و التعصب المذهبي أو المنهجي من طرف باحثينا. لم يصل بنا الوعي بعد إلى فهم التراث و أخذه كشرارة انطلاق و ليس كالمركب الفضائي الذي سوف نحلق به في سماوات القرون اللاحقة.
كباقي الباحثين الآخرين فقد سقط حنفي كذلك في مشكلة الخلط بين مفهوم الشرق و مفهوم العالم الثالث. و بهذا فإنه يضفي تعميما غير مباشر ذا طرفين: إما أنه يعتبر الشرق المسلم بأكمله منضويا تحت راية الدول النامية، أو أنه يعتبر هذه الأخيرة كلها شرقية. و في كلا الحالتين فإن هناك خلط مفاهيمي غير مشروع.
هناك نقطة أساسية أخرى جد مهمة في فهم حنفي للشرق، و هو اهتمامه الخاص بشرق منبوذ، مهمش، و يتعلق الأمر بالشرق الفارسي، و بالضبط بالإسلام الشيعي.فقد حاول عن طريق هذا الجناح التخطيط لما كان يجب أن يكون عليه الوعي الشرقي لنهاية هذا القرن، حتى و إن كان لم يتجاوز مستوى طموحه لبناء قطب مقابل للقطب الغربي الحالي.
و من البنيات الأساسية في بنيان حنفي لمفهوم الشرق هناك لا محالة ما يسميه باليسار الإسلامي. هذا المفهوم الذي يراد منه المحاربة على واجهتين: ضد الإسلام المتشدد و المتزمتة، الذي يعتبر حجر عثرة في طريق تقدمنا، و ضد الغرب الإمبريالي.
قلنا بأن مفهوم حنفي المتعلق بالغرب هو أوضح و أدق منه من مفهومه عن الشرق. و يعني بالغرب، كما رأينا، أساسا الغرب المسيحي المصنع. و التقابل الأساسي عند حنفي بين الشرق و الغرب هو تقابل عقائدي حضاري. و نعتقد أن هذا التقابل يختزل الصراع الحقيقي المسكوت عنه. فالتقابل الأساسي في فهمنا ليس بالضرورة تقابلا عقائديا كهنوتيا أخروي، بل هو تقابل مادي نفعي دنيوي. و الصراع الأساسي ليس صراع ديانتين، بل هو صراع مصالح اقتصادية و سياسية. و هنا بالضبط نلمس إشكالية أساسية أخرى لم نهتم بها بما فيه الكفاية: إن مشكلنا الأساسي في صراعنا مع الغرب هو أننا نموضع هذا الصراع على مستوى إيماني، في الوقت الذي يموضع فيه الغرب صراعه معنا على مستوى نفعي مادي. و لعل مرد هذا إلى كوننا لم نتعلم بعد أن نصارع على مستوى مادي براغماتي. و يدفعنا هذا الضعف إلى تصعيد هذا المستوى لكي يصبح إشكالية إيمانية. بمعنى أننا لازلنا نصارع الغرب بمنطق الحلال و الحرام، و بمنظومة أخلاقية كهنوتية ليست خاطئة، بل غير ناجعة مبدئيا كسلاح ضد غرب يعرف ما للقيصر، و لا يعرف ما لله. و الإشكالية المطروحة على الباحث العربي الشاب هي بالضبط: هل يجب الاستمرار في تطبيق هذا المنطق الأخلاقي، أم لابد من إيجاد استراتيجية أنجع؟
و للغرب في الفهم الحنفي جناحين: جناح محبب، و جناح منبوذ.
* الجناح المحبب نافع لنا، يجب التعامل معه و الإعتناء به. و لهذا الجناح أبعاد مختلفة:
- بعد ثقافي، دوره الأساسي هو مساعدتنا على فهم الغرب، ليس بالضرورة لتقليده، بل أساسا لكي نجد طريقا لنا. و تلعب الترجمة في هذا الإطار دورا مهما: "مهما يكن من شيء فالترجمة المختارة اختيارا دقيقا لما يناسب العصر و احتياجاته هي في صميمها تأليف يرتكز على التاريخ الحضاري، و الترجمة الهادفة تخدم نفس الغرض الذي يسعى إليه التأليف الواعي للداعية.
و إن من مهام المفكر في البلاد النامية التعريف بأهم التحولات الفكرية التي حدثت في الحضارات الأخرى و التي تحدث من جديد في حضارته، و لا يعني ذلك أن كل حضارة لابد أن تمر بالنمط الحضاري الأوروبي و بمراحل تطوره، بل يعني وجود أبنية تاريخية متجانسة في حضارتين أو أكثر". و يضيف في مكان آخر: "..."الفكر الغربي المعاصر" و يحتوي على دراسات حول أشهر مفكري الغرب الذين قاموا بدور طليعي في تحديث مجتمعاتهم كنموذج لنا على التحديث...".
- بعد تضامني، دوره الأساسي التعريف بقضايانا في المحافل الغربية و الدفاع عنا و مآزرتنا. و يلعب الحوار في هذا الإطار دورا مهما.
- بعد تقني، دوره الأساسي هو الاستفادة من تجربة الغرب في هذا الميدان لتطوير مجتمعنا ماديا.
* الجناح المنبوذ، الشامل لكل جوانب الصراع الذي يقابلنا به من جهة، و المتحكم في أدوات قهرنا و جعلنا تابعين له من جهة أخرى. و لعل أطمح شيء حاول حنفي القيام به ضد هذا الجناح هو ما سماه بـ"علم الإستغراب" كمقابل للإستشراق. و الملفت للنظر هو أن هذا الأخير قد ظهر عندما كانت الحضارة الأوروبية في بدايات تقدمها، كتعبير عن نهضة فعلية. أما "الاستغراب" فإنه إما قد أتى قبل أوانه، أو أنه يكرر نفسه في تاريخ الفكر العربي الإسلامي. فقد حدث هذا بدرجات متفاوتة في حضارتنا بدء بمفكرينا الذين اعتنوا بالتراث اليوناني، و نهاية برحلة بن بطوطة. المهمة الأساسية للاستغراب الحنفي في نظرنا هو أنه يخفف عن النفس، و يظهر على أن الباحث العربي المعاصر ليس أقل قيمة من زميله الغربي، بشهادة هذا الأخير نفسه.
و في الجناح المنبوذ هناك بالضرورة إسرائيل، التي تعتبر في نظر حنفي امتدادا للغرب الامبريالي.
يعتبر حنفي من بين المفكرين العرب المعاصرين الذين حاولوا بناء مقومات شخصية حضارية عربية إسلامية تحمل على عاتقها مسؤولية مواجهة الغرب المنبوذ. هذه الشخصية التي أصبحت كالسراب كلما اعتقدنا أننا نقترب منها، كلما ابتعدت عنا. و لكي نكون أقرب إلى الصواب لابد أن نعترف على أن وجه الواقع العربي الإسلامي الحالي مغاير تماما لوجه الواقع العربي الإسلامي للأمس. و على هذا الأساس فإن الوقت قد حان لكي يحمل المشعل الجيل الجديد، لأنه الأكثر دراية بواقعه. إن أطروحات مفكري ما بعد الحرب العالمية الثانية في العالم العربي قد تجووزت تدريجيا، و على الباحث العربي الشاب أن يجد أفاقا جديدة ليس لإتمام الرسالة بل لتصحيحها. فلن تفيدنا مساجلاتنا الكلامية ضد الغرب في شيء مادام زماننا العربي محاصر من كل الجهات، و ما دمنا لم نعترف بعد بهزيمتنا بروح من المسؤولية لكي نتمكن من مواجهة العصر و التخطيط الدقيق للمستقبل.
خلاصة القول فإن حنفي لم ينج كذلك من أخطبوط الخلط بين مختلف المضامين التي تشكل كلا من مفهومي شرق و غرب. و كالجابري، فإنه لم ينتبه إلى هذا الخلط، بل أن الإنزلاقات السيميائية في معاني هذين المصطلحين، كانت إلى حد ما طبيعية، ما دامت الأطروحة الأساسية له في هذا المضمار تؤكد على التقابل بين الشرق و الغرب.
انقر هنا لقراءة المزيد من الكاتب