السبت, يوليو 31, 2010
   
حجم الخط

الرضع المتخلى عنهم. مقاربة تحليلية

كل الفنون

تقييم المستخدمين: / 0
سيئجيد 

لا يمكن لقارئ ما يزال يحمل قلبه في يسار صدره أن يقرأ عن الرضع المتخلى عنهم بحياد و دم بارد و كأنه يقرأ برجه اليومي أو حالة الطقس المنتظرة أو أخبار عادية. و لا يمكن الكتابة في هذا الموضوع أو قراءته دون أخذ موقف ما و التذمر لمصير كل المعنيين بالأمر. و لعمري أنه الموضوع الذي نلمس فيه بوضوح تام هذا النوع من الدوخة المجتمعية التي وصلنا إليها و التي لم نعد نميز فيها في وجودنا بين الوعي و اللاوعي، بين الحيواني و الإنساني، بين الجهل و الثقافة. بل أكثر من هذا، إنه الموضوع الذي يظهر لنا بكل جلاء الجاهلية الحديثة التي ارتمينا فيها فرادى و جماعات دون ضوابط اجتماعية و أخلاقية و لربما دينية تنظم علاقاتنا مع بعضنا البعض و علاقتنا مع أنفسنا و مع عالمنا الروحي و فهمنا لمعنى الحياة الدنيوية و مصيرنا النهائي بعد الموت، إذا لم يكن موتنا قد تحقق و نحن أحياء.

علاوة على هذا، فبمجرد إثارة الموضوع تتجه أصابع الإتهام علانية و دون رحمة "لتجريم" المرأة و تحميلها كل المسؤولية و بهذا نخلد إلى أبد الآبدين الصورة الذهنية المتخلفة التي نحملها عن المرأة في ثقافتنا و نسلبها كل كرامتها و إنسانيتها و إلحاقها بالأذى الفيزيقي و النفسي و الإقصاء المجتمعي المحقق. و الحال أن الرجل في مجتمع متخلف اجتماعيا و أخلاقيا و ثقافيا كمجتمعنا يتحمل المسؤولية و كل المسؤولية في مصير المرأة و الصبي، لأنه يهرب من كل مسؤولية عندما يواجه المشكل.

يعري هذا المشكل كذلك على سماكة الفوارق الإجتماعية التي نعيش فيها في المغرب. فقلما تحبل فتاة من عائلة ثرية أو تنتمي للطبقات المتوسطة، ليس لأن طبقتها أحسن أخلاقيا أو لأنها "تحفظ فرجها"، بل فقط لأن ظروفها المادية تسمح لها بعدم السقوط في المشكل باللجوء إلى وسائل منع الحمل و إذا حدث المشكل يحل بطريقة لا يلتفت لها أي أحد أو يبقى في دائرة عائلية صغيرة. أما في الطبقات العريضة، حيث يعم الجهل و الفقر و انحلال الروابط الإجتماعية سواء الأسرية منها أو على مستوى الجيران و الحي، فإن من سقطت من الفتيات في المشكل لا يكون أمامها اختيارات حلول كثيرة إلا اللجوء إلى الحلول القصوى و القاسية بالتخلي عن المولود الجديد بطريقة من الطرق أو قتله مباشرة أو تعريضه للقتل بطريقة غير مباشرة.

البعد النفسي للمشكل
"التخلي" نفسيا هو إعلان حداد لمدة غير محددة أو نهائية عن شيئ أو شخص ما. و إذا كنا لا نتخلى عن الأشياء التي نملكها بسهولة و لو لم يبق لها أي استعمال يذكر، فما بالنا بالتخلي عن شخص، و بالخصوص أقربهم إلينا: رضيعنا أو رضيعتنا. غالبا ما لا يكون هذا التخلي اختياريا و عفويا بالنسبة للمرأة، بل محكوم بضوابط مادية و معنوية لا حصر لها. و قد يكون العامل المادي هو أقوى عامل في هذا التخلي، عندما تكون الإمكانيات المادية للمعنية بالأمر منعدمة أو شبه منعدمة. و لا يحدث التخلي عادة بعد الحمل مباشرة، بل يعشش في ثنايا وعي و لاوعي المعنية بالأمر بمجرد معرفتها بحملها في الشهر الأول. لا داعي للتذكير بأن الكثيرات، سواء وقع الحمل مع شخص معين و واحد معروف عندها أو عدم معرفتها بالشخص الذي وقع معه الحمل إذا كانت مارست الجنس مع مجموعة من الرجال قبل الحمل مقابل إغراءات مادية أو غيرها، تحاولن التخلص من أجنتهن و هم في بطونهن بكل الوسائل و بكل ما يرافق ذلك من تعقيدات نفسية و خوف وجودي و تأنيبات ضمير حادة. يقتل الجنين إذن معنويا قبل الوضع، و يصفى جسديا بعد الحمل في الحالات القصوى أو التخلي عنه إما لينقذ أو ليموت.

كيفما كان الحال، ليس من السهل لا القتل العمد و لا التعريض للقتل و في كل الحالات ينم ذلك عن حالة نفسية غير سوية. و القتل أو التعريض له في مثل هذه الحالات هو انتقام ضمني من الذات أولا و أخيرا عن طريق ميكاميزم نفسي نجده عند فصائل كثيرة من الحيوانات التي تلجأ إلى قتل صغارها إذا كانوا معرضين لخطر محدق. و هو انتقام رمزي من الذي سبب الحمل، إذا أخذنا بعين الإعتبار نظرية الجنس الداروينية التي تؤكد بأن الغاية الأخيرة من ممارسة الجنس عند الرجل هي المحافظة على النوع. الرجل هذا الحيوان الشهواني البشري الذي لا يحيى إلا و ذكره في يده باحثا عن وعي أو دون وعي كأي ضبع في الغابة عن أنثى يودع فيها حيواناته المنوية ليضمن استمراريته.

كما أن قتل الرضيع عند ولادته هو قتل رمزي للذات و لمسبب الحمل و لربما لنظام اجتماعي و سياسي غير عادل و غير رحيم. نظام أبيسي ذكوري يلتهم فيه البعض البعض الآخر في كل الميادين و تتفشى فيه عقلية استغلال أو محاولة استغلال الضعيف و الأضغف دون شفقة و لا إنسانية. نظام يبيع المثاليات الأخلاقية في المزاد العلني و يحرض و يشجع على الفاحشة في واضخة النهار و ما غض النظر عن مضايقات النساء و الفتيات و التحرش بهن في الأماكن العمومية و أزقة مدننا العتيقة الضيقة و حافلات مدننا إلا جريمة بشرية بشعة ما تزال سارية المفعول على مرأى و مسمع من العالمين. فعندما تتفشى تناقضات عالم القيم الأخلاقية لمجتمع متحجر كمجتمعنا، فإن كل أبواب الفواحش تفتح ليدخل الذكور منا سوق الرذيلة و ذيولهم بأيديهم لإشباع غرائزهم الحيوانية الداروينية شاهرين رايات الفضيلة. فما معنى مثلا اتهام بعض النساء بالعهارة و هن مدفوعات لها تحت قهر الفقر و البحث عن القوت و إغفال الرجل ـ الزبون؟ ألا يعتبر هذا نفاق مجتمعي أو لنقل اخفاق مجتمعي واضح؟ يفتخر الرجال عندنا و هم ناشرون مؤخراتهم على كراسي المقاهي و ملاعبين ذيولهم بفحولتهم الحيوانية و يتسلون بتعداد "الفروج" التي ولجوها عن طريق "الصيد و الكذب و الوعد والوعيد و الحيل الشيطانية" متابعين بنظراتهم "الكلبية" و لعابهم يسيل مؤخرات أو صدور النساء المارات، دون تعذيب ضمير و لا التساءل عما إذا حصل حمل مع إحداهن و ما مصير الصبي أو الصبية و ما هو ذنبه أو ذنبها؟ تنتقم واضعة حمل غير شرعي إذن من هذه العقلية الأبيسية بلا وعي عن طريق قتلها لرضيعها أو تعريضه لذلك عن قصد. لنتمعن مثلا في معنى وضع الرضيع في كيس بلاستيكي أسود خاص بالأزبال و الرمي به في مزبلة. فقد تعتبر القائمة بذلك نفسها و المسبب في الحمل و المجتمع بأكمله بصلاحه و طلاحه وزرائه و برلمانييه و عماله و قواده و شيوخه قمامة و زبل لا إلا.

الحل المبدئي للمشكل
إذا بقي الحال كما هو عليه بتجريم المرأة و تحميلها المسؤولية كل المسؤولية في الحمل دون الرغبة في ذلك و تعريض المولود للقتل أو قتله الفعلي و استثناء الرجل، فإننا سنستمر في العيش الهادئ في أتون أخلاقيات مجتمعية متناقضة و قذرة غير صالحة لتوريث أبنائنا و بناتنا إياها، لأنها بكل بساطة غير صالحة.

متابعة الرجل
عندما تحبل مرأة ما عندنا، فإن ذلك لا يقع جراء دخول فرجها الهواء أو جماعها مع الأرواح أو تعرضها و هي نائمة و دون علم لها لزرع حيوانات منوية بشرية. في كل الحالات يكون مسبب الحمل رجل أدمي من لحم و دم جامع المعنية بالأمر عن طواعية أو على الرغم منها بالمقابل أو بغير مقابل. و حتى و إن كانت المعنية بالأمر جامعت أكثر من رجل إما مقابل مال أو شيء آخر أو دون مقابل، فإن الحمل لا يقع إلا مع شخص واحد و وحيد. و في كلا الحالتين يجب متابعة الرجل أو مجموعة الرجال بتعريضهم لتحاليل جينية تحدد المسؤول و تتابعه قانونيا و أخلاقيا و اجتماعيا. لا معنى لسن حقوق نظرية تحمي المرأة و الطفل و نعطي الحرية للرجل العبث بها و الدوس عليها.

حماية الكرامة الإنسانية من طرف السلطات
إذا غيرنا زاوية التحليل و نظرنا للمشكل من زاوية إبستيمولوجية، فلا بد من الإعتراف بأننا لم نكن مستعدين بما فيه الكفاية لهذا "التسونامي" الحداثي الذي داهمنا في الربع الأخير للقرن العشرين. تعني الحداثة من بين ما تعنيه تفجير الأنماط الثقافية و الإجتماعية و الدينية حيث تصل و محاولة إدماجها في صيرورتها في الحالات الإيجابية أو القضاء عليها في الحالات السلبية. إذا بقينا موضوعيين، فإن الحداثة المفروضة علينا قد فجرت بالفعل الكثير من معاقلنا الإجتماعية و الثقافية و منها تصورنا للعائلة و للمسؤولية المرتبطة بها. فالروابط الأسرية تنحل شيئا فشيئا، لأن الفردانية التي تتميز بها الحداثة و تطالب بها لم تجد التربة الصالحة في ثقافتنا و أصبحت نوعا من الأنانية الفردية و الجماعية نسبح فيها كلنا، معززة بروح مادية. لم نعد نتسابق على ضروريات الحياة، بل على الثانويات فيها، و هذه الأخيرة هي المشكل الأساسي في اللاوعي الشقي للطبقات "الفقيرة".

على السلطات الوصية و بالخصوص وزارة الشؤون الإجتماعية و وزارة العدل و طابورات إداراتها عندنا القيام بمسؤوليتها بحماية كرامة الرضيع و أمه بإحداث مراكز لاستقبالهم و العناية بهم، و ليس بتوكيل هذه المهمة للجمعيات و المتاجرين في الأعضاء البشرية و الراغبين في التبني إلخ. فالعناية بالأم التي أصبحت أما دون الرغبة في ذلك يسبق محاسبتها و عقابها و تهميشها مجتمعيا.

لا داعي للتذكير بأن حملات التوعية الواسعة النطاق بالمشكل قد تساهم في الحد منه و لربما القضاء عليه. لابد و الحالة هذه أن يمر المشكل من مرحلة المحضور ـ الطابو إلى مرحلة الحديث عنه بوعي و مسؤولية. لا يحق لنا المس بكرامة الإنسان و خاصة الرضيع و لا أمه و لو كانت "مارقة" عن طواعية إذا كنا نعتبر أنفسنا من حماة الحياة بصفة عامة و حياة الإنسان بصفة خاصة.

من الضروري كذلك إعادة النظر فيما نسميه "الدعارة" و إفراغها من محتواها السلبي و نفضها من الثنائية الأخلاقية حيث غمسناها إما بتوفير شروط عيش كريمة للائي يلجأن لها قصد كسب لقمة العيش أو تقنينها و الإعتراف بها كقطاع مهني قائم بذاته. إذا اعترف بالعهارة كخدمة كباقي الخدمات الأخرى كتلك التي تقدمها الأبناك و المقاهي و وكالات الماء و الكهرباء و الوزارات، فلابد من تقنينها و تنظيمها و حماية كرامة العاملين فيها. لا يحق لنا الإستمرار في هذا النفاق الإجتماعي الجماعي اتجاه العهارة و نتعاطى لها ذكورا و إناثا و من مختلف الطبقات. لابد من الحسم في مشكل العهارة، لأنها مرتبطة أشد الإرتباط بالكرامة الإنسانية.
 

التعليقات (0)add
أضف تعليق
تصغير | تكبير

busy

مرحبا بك

احدث التعلقيات

ابحث عن صديق

أنا أبحث عن
العمر بين
إلى
المكان :
المدينة
الولاية
البلد

فيديو اليوم



المتواجدون الآن

7 مستخدم و 569 ضيف متواجدون

أحدث نشرات المجموعات

  • جماعة النقاد الجدد اصدقائى الكرام أرانا تقاعسنا كثيرا وأرجو ان نعود الى نشاطنا حتى نضمن لهذه الجماعة الاستمرار منتظر مق...
  • رؤى اهل الرواية - اقصد الروائيين - المظلومين في هذا الزمن دون غيرهم من المبدعين ففي خمسنات القرن الماض...
  • ابداع الشعر قمرى أبثه لحنى وإن شجى بى همى أقول له ماعدت بالهم أهتم

أحدث الصور

أحدث الاعضاء

أحدث الفيديو