الكاتب د. وائل ابوعرفة الثلاثاء, 16 مارس 2010 04:32
كنت في حيرة من أمري، ماذا سأقول في هذا المساء . كي أبتعد قليلا عن أجواء الرثاء، والغوص في أحواض البكائيات. فهل نحن في أجواء احتفالية للميلاد يقضي صاحبها في حضرة الغياب،
أم في وقفة للبكاء على أطلال ذكرى الوداع. فما بين لحظة الميلاد وسيمفونية الفراق، تتأزم أسئلة الشعر وإشكاليات خطاب الثقافة، لنصبح على مرمى تفاحة من ميلاد الروح واندثار الجسد. ناظرين بعين الريبة إلى تضاريس المنفى وحدود الغياب. فعل مدى سنوات طويلة من عشقي المتناهي للشعر، وجدتني دون إرادة مني مترنحا بين آلاف القصائد ومئات الشعراء العزيزين على قلبي، من سيد شعراء العربية أبي الطيب المتنبي. وحتى آخر العمالقة محمود درويش. وما بين هذا وذاك، كان ارتباطي الروحي إلى درجة المقدس، المتغلب على غريزتي الشعرية، بكثير من الفرسان الذين أدموا قلبي بغيابهم عن ميدان الفروسية كل على طريقته . فكثيرون هم الذين أغلقوا الباب وغادروا المكان في بداية هذا القرن دون استأذان من أحد: ( عبد الوهاب البياتي، ممدوح عدوان، محمد الماغوط، محمد القيسي، فدوى طوقان، نازك الملائكة، فتحي سعيد، وغيرهم وغيرهم ). ومن بين هؤلاء جميعا، كان لي الشرف الكبير وربما عن طريق المصادفة، أن أكون على علاقة خاصة، على المستويين الشعري والإنساني، بثلاثة من أقانيم الشعر والإبداع على مدى نصف قرن من الزمن. تعرفت شخصيا على أمل دنقل، هذا الشاعر الصوفي الفقير، في إحدى أمسيات نجيب محفوظ في مقهى ريش في القاهرة. وتتبعت كل نتاجه الرائع حتى آخر ما أبدعه في أوراق الغرفة رقم ثمانية في المعهد القومي لعلاج الأورام حيث كان يصارع المرض في صمت مخيف، ويكتب رائعته الخالدة لا تصالح. رأيته حينها هناك في نظرة ألم أخيرة، ودع بعدها الحياة، لأهدي إليه بعد ذلك بعشر سنين قصيدتي المتواضعة (رسالة لم يقرأها كليب ).
ومن بين الذين نزفوا قصائدهم بصمت ومرارة، ولم توفه الأوساط الثقافية حقه لا حيا ولا ميتا، كان الشاعر الفيلسوف عبد اللطيف عقل. لقد كان أبو الطيب فيلسوفا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وصاغ شعره بيتا بيتا بقطرات من دمه دون مواربة أو مداهنة، وهو القائل بعنفوان الشاعر: (هو الشعر حين يقاتل يزهو. وحين يداهن يكبو . وحين ينافق أقسى من الطعن في الخاصرة) . تعرفت إليه وأنا في سنوات الصبا وودعته وأنا في سنوات الشباب. وما بين اللقاء الأول والوداع الأخير حفظته وحفظت شعره عن ظهر قلب. استضفته في آخر أمسية له في نقابة الأطباء، كانت أمسية مفعمة بحرارة الشعر وصدق الكلمة، وسط حضور كثيف يليق بشاعر أبدع في تلك الليلة بكل ما آتاه الشعر من قوة وعزيمة. اتصل بي بعد يومين من تلك الأمسية ليسألني إذا ما كان قد نسي نظارتيه على المنصة، فأجبته بأنهما لدي وسآتي بهما في أقرب فرصة إلى مسرح السراج الذي كان يعكف على تأسيسه وترميمه. إلا أنني بعد هذين اليومين كنت أمشي حزينا في وداعه الأخير في قريته الوادعة (دير استيا )، مرددا قول محمود درويش ( طوبى لشيء لم يصل ) .
أما ثالث هؤلاء، فهو الذي نجلس اليوم في ذكراه، شاعر ملأ الدنيا وشغلها على مدى نصف قرن من الشعر والإبداع. في معهد العالم العربي في باريس، تعرفت شخصيا إلى محمود درويش، كانت تلك إحدى أمنياتي منذ حفظت قصائده وأنا تلميذ في المرحلة الثانوية، لمحته عن بعد وظننت أنني سألقى صعوبة بالحديث إليه، إلا أنني وجدت نفسي أحتسي معه القهوة على ضفاف السين برفقة أحد الأصدقاء العاملين في المعهد. كانت السماء صافية صفاء عاصمة النور، وكان السين هادئ أزرق يبعث في النفس شعورا بالحرية والأمل. تحدثنا كثيرا عن الشعر، الحداثة، وما بعد الحداثة. وكم كانت مفاجئة له أنني أحفظ الكثير من شعره عن ظهر قلب، حيث قال ممازحا: كأنك أنت قائل هذه الأبيات وأنا أستمع إليها لأول مرة. كم كان دمثا ومتواضعا وقليل الكلام إلى حد التصوف، لم يذم شاعرا ولا كاتبا مهما قل شأنه، أحب مثلي أمل دنقل وسعدي يوسف وسليم بركات، وتحدث كثيرا عن جده الأول أبي الطيب المتنبي. تحدثنا عن جغرافيا الوطن وعما تبقى مما كانت تسمى فلسطين. كانت الأسئلة كثيرة وكبيرة، كان غاضبا على ما تم الاتفاق عليه لحل قضية ساخنة في أبرد عواصم أوروبا ، فكان مترددا بالعودة إلى ما سمّاه لاحقا، المتاح من الوطن، حيث قال فيما بعد: أتيت ولكن لم أصل، رجعت ولكن لم أعد.
بعد أمسيته الأخيرة الاستثنائية في قصر الثقافة في رام الله، اتصل بي قائلا: بحثت عنك ولم أجدك بين الحاضرين. اعتذرت لعدم حضوري بسبب انشغالي المهني، ولكني ما زلت حتى هذه اللحظة نادما لعدم حضوري لأمسية درويشية كيف لي أن أعلم أنها ستكون الأخيرة. سافر محمود بعدها في رحلة اللاعودة بعد أن ودع أهله وأصدقاءه، ليعود لنا كما قال في بداياته، في كفن. كان لنبأ الرحيل على نفسي وقع الصاعقة، بكيت بكل أحاسيسي وجوارحي، ولا أذكر أنني بكيت على ميت كما بكيت في تلك اللحظة على محمود درويش. وبكيت مرة أخرى عندما رأيت شلة الانتهازيين والمتسلقين يتباكون عليه ويتاجرون بأشعاره وهم الذين لم يقرأ أي منهم بيتا واحدا من شعره ، فتذكرت قول نزار قباني في رثاء عبد الناصر ( وراء الجنازة سارت قريش فهذا هشام وذاك زياد ) .
بعد الجنازة ، قفلت عائدا إلى القدس حزينا كئيبا، أردد في نفسي ما قاله فضل النقيب في رثاء غسان كنفاني:
( هكذا تنتهي القصص هكذا تبدأ ) .
أرسلت بواسطة المسعودي , مارس 17, 2010
دمت بألف خير .
مصطفى المسعودي





( هكذا تنتهي القصص ، هكذا تبدأ)، وَ
هكذا تكون الكتابة عنهم ،أو .. تكون!،
اولئك الذين لا يعرفون الغياب عن ذائقتنا مهما أوغلوا في الموتِ وأوغلنا نحن - من بعدهم - موتاً في الحياة أو حياةً في الموت،
إذ أننا صالحنا ولم يصالح دنقل ،
وأنهينا دفن قصائدنا بينما درويش لم ينهِ قصيدته بعد ،
وسلبنا البحر الميت قلبه الذي أهداه له أبو الطيب .
...
د- وائل أبو عرفة :
تجولتُ هنا بين حروفك فكانت برداً وسلاماً على روحي رغم الحزن ، لأنها قطعة أدبية تذكارية نادرة بتوقيع الوفاء .
سَلِمَ يراعك
ودام لك الألق وأكثر
تقديري واحترامي العميقين