
الكاتب حسن الأفندي
الخميس, 18 مارس 2010 10:19
كل الفنون
وُلدتُ وتوأمة لي في ليلة ما من ليالي الشتاء القارصة البرودة بشمال السودان , كانت ولادتي مع أذان العشاء بينما جاءت إلي الدنيا توأمتي قبيل الفجر بقليل , ومن عجب أني سمعت
أن الذي يري الدنيا قبل الآخر من التوأم هو الأصغر , تماما عكس ما نعتقد , ولا أدري أهي حقيقة علمية مؤكدة أم رأي لا أساس له من الصحة لمن حدثني بذلك , المهم أني كنت أُنادي من قبل الكثيرين من الأهل والمعارف بالتوم , يعني مفرد توأم , أو بحسن التوم , بينما سماني أبي خلفا لاسم أبيه , تلك الشخصية ذات الصيت والنفوذ والسمعة التي تغطي شمال السودان , علما بأني لم أره فقد مات قبيل ولادتي , والتوأم لغويا تعني الزوج من المواليد والزوج مفرد بالمناسبة وليست مثنى , شريطة أن يكون للزوج مثيل من نفس النوع , والحقيقة أن لغتنا العربية ثرة فضفاضة غنية , ولفهم معانيها وكوامنها وبواطن الأمور , لابد من حس أدبي عال أو ذوق فني متقدم يخدم الباحث أو القارئ لفهم نص أو جملة أو مثل أو حتي لفظ مفرد , فإذا قلت ( لماذا نكتب ؟ ) كان ذلك سؤالا عاديا وربما يتوقع من يسمعه إجابة عليه , ولكن إن قلت ( ولماذا نكتب ؟ ) فقط بإضافة واو , أصبح السؤال استنكاريا أو استهجانا لما يجري من كتابة ! تصور إضافة حرف واحد يغير من معني ومفهوم وتركيبة الألفاظ ومعطياتها .
جئت أكتب عن ذكرياتي في مجال ما ناداني به الناس من ألقاب فإذا باللغة العربية التي أحبها كثيرا وأتبحر فيها فما تركت من حيزبون ولا دردبيس ولا طخا ولا نقاخ ولا علطبيس ولا عـقنقل قدموس , أو احجنشش الكرش واجرنثم القوم واخرّوط الطريق , أو الجفنة المثعنجرة والطعنة المسحنفرة والتي بقيت بأنقرة , أو اليوم قحاف وغداً نقاف قبل أن تدخل عليها المدنية لتجعلها اليوم خمر وغداً أمر , وحتي الخنفشار :
لقد عقدت محبتكم بقلبي كما عقد الحليبَ الخنفشارُ
وقيل إن لفظ الخنفشار دخل إلي العربية بطريقة طريفة إلي حدما , فقد كان أحدهم يزعم أنه يعرف كل لفظ في العربية , فاجتمع بعض من غاظهم ذلك واتفقوا علي تأليف لفظ من حروف يأتون بها من بنات أفكارهم مركبين للفظ , وكانت النتيجة الخنفشار , لاقوا صاحبنا وأرادوا تعجيزه , سألوه عن معني اللفظ الذي استحدثوه , وكان جوابه عجبا , زعم أن الخنفشار زهر أصفر لنبات صحراوي , يجفف ذلك الزهر ويضاف إلي الحليب فيعقده ـ أي يصبح الحليب جامدا مثل الزبادي أو الجبن ـ واستشهد الرجل بأن شاعرا قال البيت أعلاه مستخدما لفظ الخنفشار , كادوا له فكاد لهم وافحمهم , وعلي كل حال دخل اللفظ معجم اللغة العربية !
والحديث عن اللغة العربية يطول , لن أقول إنها لغة استوعبت وعبرت في إعجاز بليغ عن القرآن الكريم فحسب , ولكني أذكر القارئ أنها اللغة الوحيدة التي بها علم عروض وعلم صرف , ومن عجب أن إدخال حرف علي فعل مثلا أو تغيير حركة حرف , يمكن أن يؤدي إلي إحداث معني مختلف فـي دلالته من حيث القوة والضعف ( أستطيع وأسطيع مثلا , بالرَغم وبالرُغم ) , وللألفاظ ترقيق وتضخيم أو تفخيم , وبمـا يتلاءم والموقـف الموصوف أو المُتحـدث عنه , ولعـل في سورة النمل ( ليحْطِمنكم ) مرققة بما يتوافق وحجم النملة خير مثال علي قدرة اللغة العربية لنقل أدق الصور والتفاصيل , وخذ من بلاغتها في التعبير من سورة يوسف ( خلصوا نجيا) وتأمل في المعني الكبير لهذين اللفظين اللذين حملا مضمونا ضخما من الفعاليات والإجراءات والنتائج , ومن هنا كنت ولا أزال مؤمنا بأن ترجمة القرآن الكريم إلي أية لغة غير العربية أمر مستحيل معجز وغير ممكن , وأن الترجمة في حد ذاتها للنصوص الأدبية عامة تفقد النص جماليته ورونقه وتفسد حلاوته , وربما تعطي المعني العام أو شيئا من أفكار ومعلومات النص المترجم . وعليه كان لابد من ترجمة تفاسير القرآن الكريم لا نصوصه وآياته , فما من لغة تستطيع أن تستوعبه كما العربية.
والتوأم دائما ما يكون ضيق الصدر , فما بالك بتوأم شاعر يؤمن بأنه من سلالة عمرو بن كلثوم :
طغــــاة ظالمـــــين وما ظلمنا ولكــــنا ســـنـبدأ ظالمـينا
إذا بلــــــغ الفـطام لنـــا صبي تخــر لـه الجبابر ساجـدينا
ونشرب إن وردنا الماء صفوا ويشرب غيرنا كدرا وطينا
عصبي متقلب المزاج سريع الاستثارة , يزيد الفولت داخله على المائتين وعشرين أو الأربعين كثيرا , ولهذا فقد أطلق علي صديقي وقريبي اللواء شرطة (م) زميل طفولتي وصباي ودراستي وشبابي محيي الدين محمد محمد علي لقبا ً أحتفظ به لنفسي في الوقت الحالي , فعسي أن يمكنني من نشر بعض الآراء أو القصائد تحمل ذلك اللقب اسما مستعارا حركيا ودون أن تحمل منشوراتي اسمي الحقيقي , فمن يدري لعل أن يكون في ذلك حماية لي في عالم يُفرض فيه الإرهاب الفكري والحجر الفكري علي الأقلام , ومن يدري فلعلي أن أخرج يوما ما عن وقاري واتزاني وتطغي علي روح جدي عمرو بن كلثوم فأتحدي القطب الأعظم الأوحد , مجرد خــــيال وتحوط , فما تفعل نملة بجبال الهملايا أو التبت ؟
وكنت طفلا رمد العينين , حار في علاجي والداي , فعلا كل شيء لشفاء العينين دون جدوي , وكانت إحدي قريباتي يرحمها الله عاقرا , وكانت تحبني جدا طفلا , تحملني وتغني لي من تأليفها ما يلقبني بالأعمش :
حسن أب صوفه أب عين منتوفه
قطع الحسنة من الشلوفة !
إشارة إلي مرض عيني وسقوط شعر رموشي , كما كانت لي بقعة بارزة سوداء علي شفتي العليا يسمونها في السودان بالحسنة كما يسمون الشفة بالشلوفة , لهجة محلية , وبالمناسبة تلك الحسنة جرحت بموسي الحلاقة وأنا أحلق شعر الشارب فذهبت إلي غير رجعة , كما أن ظهور مرهم الترامايسين فجأة وتصنيعه في عبوته الحالية الصالحة لاستخدامه للعيون أعاد لعيني صحتهما , وللعلم فقد كنت علي ما أعتقد قبيح الشكل في صغري , ولعلي كلما أعمّر كلما ازددت وجاهة وقبولا والحمد لله , فقد أصبح منظري الآن محتملا للناظرين .
وظهرت منذ بدايات مبكرة عندي موهبة الشعر , فكتبت أول قصيدة باللهجة السودانية العامة قصيدة تدين الاعتداء الثلاثي علي مصر الشقيقة ولاقت استحسانا مثلما نالت قصيدة أخري بمناسبة نيل السودان استقلاله نفس الاستحسان , فأصبح لقبي يتنامي رويدا رويدا إلي حسن الشاعر , وما عدت أعرف بالنسبة لزملائي ومعارفي عامة بغير هذا الاسم , حتي أن شقيقي الأصغر يرحمه الله , كان يعمل بومدني , عاصمة الجزيرة الخضراء حيث زراعة القطن طويل التيلة بالذات بمشروع الجزيرة المعروف عالميا , وحدث أن استشهد أحد المواطنين إبان اشتعال ثورة الحادي والعشرين من أكتوبر 1964 ضد وضع الرئيس المرحوم إبراهيم عــبود وانتهت بإزاحة الوضع وعــودة الديمـقـراطية الثانيـــة كـــما يقــولـون , وكان اسـم الشـهـيـد ( حسن ) , وخرج شعبنا بالمدينة يحملون جثمان الشهيد إلي مثواه الأخير , بكي أحد أقربائه أو أصدقائه صائحا متألما متأوها لفراق أخيه حسن الشهيد . خُيل لشقيقي أن الشهيد هو أنا ( حسن أخوه ) , انزعج ولعب الشيطان بعقله وقرر السفر فورا للخرطوم للوصول إلي والاطمئنان علي أني ما أزال حيا . جرت محاولات لإقناعه بأن الأمر مجرد وهم لا واقع لـه فلم يقتنع . وصل أم درمان واتجه فورا إلي معهد المعلمين العالي ـ كلية تربية جامعة الخرطوم حيث كنت طالبا وقتها ـ ودخل يسأل من يلاقي من زملائي : هل يمكن أن أقابل حسن إبراهيم ؟ فيجاب بأنهم لا يعرفون هذا الاسم بالمعهد. أحدهم لاحظ أن هناك بعض الشبه بين السائل المستفسر عني وبيني , فقال له: لعلك تقصد حسن الشاعر ؟ أجابه : نعم , دلني عليه , وأُحضر إلي , وأخذ يسألني ويعاتبني كيف أغيّر اسمي وأتنكر لاسم أبي وجدي , فأقنعته بأن ذلك اللقب طغى علي اسمي دون رغبة ولا سعي مني .
ظل لقب الشاعر يعرّفني للناس ويعرفني به الناس حتي تم تعييني معلما للرياضيات البحتة بكافة فروعها والتطبيقية بالإستاتيكا والديناميكا , فحرصت ألا يعرف طلابي عني أني شاعر أو علي الأقل لا أعطيهم فرصة لفتح موضوع الشعر داخل الفصل , كنت مقررا أن لابد من أن أجد نفسي في هذا التخصص الأثير بصدري والذي عُرف نبوغي فيه منذ نعومة أظافري , وظللت أحقق نجاحا إثر نجاح في هذا الحقل فما كانت توقفني مسألة رياضية ولا متطابقة ولا انحراف معياري أو تشتت بمقاييسه أو معامل ارتباط أو احتمالات أو برمجة خطية أو تطبيقات تفاضل أو تكامل أو نظرية هندسية مستوية أو فراغية مع إجادة لهندسة المحاور أو ما تعرف بالهندسة التحليلية , ودرست قوانين نيوتن وتجاذب القوى , إلي أن أحرز أحد طلابي نسبة 100% في الرياضيات في الشهادة السودانية العامة وأذيع اسمه ضمن قائمة الشرف من مدرسة كانت تعرف بالمعانة (Aided School ( وهي تعني أنها بنيت شعبيا وتقوم وزارة التربية بإعانتها بالمعلمين والكتب وبعض المصروفات مقابل كل طالب بجانب ما يدفعه الطلاب أنفسهم من مصروفات مدرسية وذلك لأنهم التحقوا أصلا في هذه المدرسة وأمثالها إذ أحرزوا مجاميع لا تمكنهم من التسجيل والقبول بالمدارس الحكومية , كان ذلك سمعة طيبة لي , ولعل مدير المدرسة الفاضل المرحوم / شيخ الدين جبريل الذي نعيته قبل حوالي الشهرين علي صفحات بعض المجلات والصحف والمواقع , قد ساهم إلي حد كبير في ترقياتي المتلاحقة ربما في بداية العام وآخره , وذلك بفضل ما كتب عني من تقارير استثنائية تفيد عن حرصي ونجاحي المهني . وكان شاربي كثاً ولوني لا أستطيع أن أقول أبيض ولكنه كان حنطيا ربما , فظن بعض طلابي أنني مصري الجنسية ونعتوني بأبي شارب كبير , ومن المؤكد أن شاربي لم يكن يتناسب مع جسدي النحيل الهزيل , ووجدتهم مرة يحذرون بعضهم بعضا من هذا المعلم المصري ذي الشارب الكث , فهو جاد في حصته ولا يعرف أو يسمح بانفلات الحصة , وقد أجبتهم من النافذة بأني سوداني ببرود شديد فأحرجوا , ومرجع تحذيرهم الذي نشأ بينهم , أني كنت أدرس في فصل به طلاب مشاكسون يعرفون بالطلاب المشكلة , وكنت في بداية مشواري المهني , وحقيقة أنا لا أقبل أن يتحدث طالب و ينصرف عني خلال الحصة , ولسوء حظ اثنين متجاورين أنهما أخذا يتحدثان في أول حصة لي بصوت خافت بينهما , توقفت عن التدريس وأشرت بإصبعي لأحدهم للحضور , أرسلته في طلب ( الصول ) المعين خصيصا للجلد وأخذ الغياب ويشارك مع آخر في تنفيذ الانضباط وبرنامج التدريب العسكري , جاء الرجل ووقع بأمر مني عقوبة الجلد ست جلدات علي كل منهما , ومنذ ذلك اليوم لم احتج إلي توقيع عقوبة الجلد علي طالب إلا ما ندر عندما أصبحت مديرا للمدرسة وتصادفني مشكلة وقع فيها طالب مع أحد المعلمين , وأقول ما ندر لأن معظم أمور المدرسة يسيرها مرشدو الصفوف ورؤساء الشعب ومساعد المدير , أما المدير فقد كانت تصل إليه المشكلات المستعصية .
ولعل لوني يذكرني بموقفين , أولهما أني كنت ألقي قصيدة في حفل كبير يضم الآلاف من الشعب السـوداني بمعهد المعلمـين العالي بأم درمان بمناسـبة عيد الاستقلال , ولاقت القصيدة قبولا منقطع النظير لحماستها وانفعالي في إلقائها , وكان يحضر بعض أقارب زملائي الطلاب الحفل , ومن بينهم كان أحد أقارب زميل لي يعمل معلما للغة الإنجليزية هو الأستاذ الضو بشير, راجيا أن يكون بخير , فقد التقيته آخر مرة قبل سنوات عديدة بسوق خضار رأس الخيمة قبل أن يستقيل ويرجع إلي السودان بعد عمله معلما للإنجليزي بمدارس رأس الخيمة , يوم وقفة عرفة وأنا أصحب زوجتي وأبنائي لشراء بعض الحاجيات لزوم الكبش الذي سيذبح غدا ولزوم قدوم العيد الكبير أيضا , وقد نادانــي : اللحمر (الأحمر ) , فقد كان قريبه ومن فرط إعجابه بقصيدتي حلف أن لو رزق بابن ذكـر أن يطلق عليـه اسم هذا الشاعـر الأحمر ( اللحمر) , ومنذ ذلك الحين وكلما التقيت زميلي الضو بشير يضحك ويتذكر ذلك اليوم وفعالياته , ومن عجب أني عندما وصلت البيت الأخير من القصيدة وما زلت أذكره تماما :
مجّد فتاك اللوذعي وقل له وطني سماء الخالدين سمائي
حتي علا التصفيق وحضر بعض زملائي لحملي من المنصة علي الأكتاف إلي حيث أجلس , وكلما علا التصفيق كنت أمزق الأوراق التي طبعت عليها القصيدة وذررت بها في سماء الساحة ! كنت أشارك بفاعلية كبيرة في الميدان الشعري , وقد شاركت مرة في مظاهرة بأم درمان وتوقف المتظاهرون لأُحمل علي الأكتاف وألقي قصيدة , وكانت المظاهرة ضد حكومة المحجوب بسبب ما يجري في جنوب السودان إذ كنا نعتقد أن الحقائق كانت مغيبة عنا تماما كشعب سوداني , وهتفنا يومها : مصير محجوب مصير عبود . ومحمد أحمد محجوب كان رئيسا للحكومة وهو محامي كبير وشاعر جهبيذ وناقد مرهوب , صاحب قامة فارعة , أما عبود فقد ظل رئيسا لنا بانقلاب عسكري في الفترة من 17/11/1958 وحتي قيام ثورة أكتوبر 21 سنة 1964بسبب مباشر هو الجنوب أيضا . وبينما كنت ألقي قصيدتي في المظاهرة كان الأمن والشرطة يراقباني وفي انتظار وصول القاضي حتي يأمر بتفريق المظاهرة إما تحذيرا أو باستخدام القوة , المهم أنهيت إلقاء القصيدة وبعد قليل وصل القاضي ورمينا بالقنابل المسيلة للدموع وأخذت الشرطة ورجال الأمن في ملاحقتنا , وكنت من أهدافهم للقـبض علي , ركضت حتي كـــدت أخرج من ســوق أمدرمان من الناحـيـة الشمالـيـة ( للسودانيين: وصلت العدني ) وكان بقربي زميلي معلم الرياضيات الأستاذ أحمد حمد الطالب آنذاك بمعهد المعلمين العالي , كان قبلي بدفعة , أضطرت الشرطة محاولة القبـض علي أن ترمي تحت قدمي بقنبلة مسيلة للدموع , انحنيت وكـدت أطيح أرضا لـولا تـدخل زميـلي الذي ســنـدني لأتابـع مســـيـرتي ونـدخـل شارعـا جانـبيا ضـيـقـا ( زقاقا) , تمكـنا من الهرب والوصول إلي نادي الطلاب بالمعهد , وما أن جلست حتي وصلت سيارة شرطة وبها ضابط , تأكد لي أني غير ناج لا محالة وأن جنابه جاء للقبض علي , تقدمت نحوه في شجاعة ولسان حالي يقول :
إذا لم يكن من الموت بد فمن العار أن تموت جبانا
وذهلت فقد سلم علي الرجل في هدوء وسألني عن أحد أقاربه من الطلاب كان قد جاء لزيارته !
أما الموقف الثاني الذي يتصل بلوني , فقد صادف أني كنت في أحد الأقطار العربية وكانت الأراضي توزع من الحكومة لمن تقدموا بطلباتهم وكنت أحدهم , فاضطررت وأنا خارج السودان أن أستخرج توكيلا شرعيا لابن خال لي وهو في نفس الوقت متزوج من خالة أبنائي الكبيرة , وذهبت إلي القاضي الشرعي حينها وبدأ في الإجراءات , وسألني عن المعلومات الضرورية لعمل التوكيل , وعندما علم بأني سوداني كتب : وقف أمامي السوداني أبيض اللون الرشيد ..........!
ونعاود ما كنا بدأناه عن الألقاب .
شاء الله أن تكون لي ثقافة لا بأس بها في مجال التفسير وأسباب النزول للآيات وعالم الروح والبرزخ والبعث وعذاب القبر ..... وقرأت كتبا كثيرة منها نشأة الكون والسموات السبع ومع الله في السماء وقصة الإيمان وهلــم جرجرة من أمثالها , الأمر الذي مكنني من مداخلات بعض العلماء في الفضائيات ومناقشتهم وإبداء الرأي وربما المشاركة والإضافة في التفكير , وذلك دفع البعض للاعتقاد بأن القبة تحتها شيخ كما نقول في السودان , فأُطلق علي لقب الشيخ ......
وبعـــد .... ما تراني اســتفدت من كل هذا وذاك ؟ أللشعر أم للعلم قيمة في هذا الزمان , بل وأين مكاني بعد موت آخر كبار الشعـراء وآخر عمالقة الشعراء وآخر أهرام الشعـراء وآخر قامات الشعـر المعاصر أو أعذب شعراء العرب كما نقرأ علي الصفحات الثقافية كلما مات أحدهم وكان معروفا لمحرر من محرري الملف أو الصفحة الثقافية , ولعلني ولعل الكثيرين من أمة الضاد لم يسمعوا بهذه القامة ولا تلك ؟ أتراني أجد فرصة أُنعى فيها من مجلة أو صحيفة أو فضائية أو حتي إذاعة مسموعة بعد أن اضمحل دورها تقول : مات شاعر سوداني نكـرة , كان غـير معروف , يسمى فلان الفلاني ؟ أتري أم هل تري ...؟
وددت أن لو كنت عالما في دنيا الطبخ والأطعمة ونلت لقب الشيف فهو أجدى وأنفع وأكثر التصاقا بالبطون والأمعاء واللذائذ واللطائف والمال والشهرة .
بقي أن تعرف أني جلست لأكتب عن أحد موضوعين : (أحلام وأحداس تتحقق في دنيا الواقع ) أو عن ( تخ .... طيط ) , فقد كان فقيدنا وأستاذنا شيخ الدين جبريل يسمي وزارة التخطيط القومي والاقتصاد إبان حكم النميري بوزارة تخ .... طيط ولمصلحة القارئ فلفظ تخ عندنا في السودان يشير إلي وقوع شيء وتحطمه إلي قطع متناثرة,مثلا تقول وقعت مني البطيخة تخ علي الأرض وهذا يعني أنها وقعت وتفتت إلي أجزاء صغيرة هنا وهناك غطت مساحة من الأرض , أما طيط فعادة غير اجتماعية يفعلها الكثيرون داخل الحمام صباحا ـ لا مؤاخذة ـ وأترك الباقي لفطنة القارئ . ولكن انشغلت بتفكير وأنا أشاهد الشيفات يملئون الفضائيات ويجدون تجاوبا كبيرا من الجمهور . وعجبي !
أما أنا فسبع صنائع والبخت ( الحظ ) ضائع ! من يعلم بأني أشطر وأفلح ميكانيكي سيارات صغيرة , بل هي هوايتي الأولي ........
نرحل فهل تبقى لأمثالي من ذكرى أو أثر ؟
اما الان دعونى فقط انحنى لسببين
الاول:احتراما واجلالا لعلم لغة الضادوالتضاد
الثانى:حتى اغرق مجددا فى بحر المفردات الاصيلة رغم غرابتها لابحث عما يمكننى فهمه من خلال سياقها فى الموضوع وان عجزت سأتجه للمعجم ليرشدنى ويعيننى على اثرائى لغويا بمفردات قلما اسمعها او اعرفها الا من مبدع بحجم الاستاذ/حسن الافندى
اخيرا تقبل انحنائى لعبقريتك اللغوية