الخميس, سبتمبر 09, 2010
   
حجم الخط

عاجل : العقاد يصل السودان لاجئا

كل الفنون

تقييم المستخدمين: / 2
سيئجيد 

 


 
   لا تعجب من العنوان ولست كاذبا أو مبالغا , تلك كانت الحقيقة والحقيقة المجردة , جاء العقاد إلى السودان فارا من مصر الشقيقة , ولا غرو ولا غرابة , فالسودان عمق استراتيجى لمصر وأمن مصر ولكل أشقائنا المصريين , تماما مثلما نحس نحن أن مصر ـ أمنا ـ 
هي حبنا وإحساسنا بالقوة والملاذ والملجأ والسند عند كل ملمة لا قدر الله. مصر والسودان شقيقان توأمان , رغم كل ما يمر من تقلبات الحكم والظروف , رضي من رضي وأبى من أبى .
 ابتلي العالم وقتها بقيادات مهووسة بأفكار غريبة وجنون العظمة وعداء السلطوية للآخرين , وتفضيل جنس بشري على بقية البشر فى صلف زائف , تماما مثلما يجرى فى عالم اليوم من قطب أحادي القوة والقرار , فكانت الحرب العالمية الثانية بقطبيها النازى الهتلرى والفاشى الموسولينى من جهة والتحالف الآخر من جهة أخرى وعلى رأسه بريطانيا العظمى , ولم يكن لعالم شامل مثل العقاد أن يؤازر فكرا نازيا أو فاشيا وذلك بطبيعة الحال لا يتوافق مع العلم والفكر النفاذ الوقاد , فوقف ضد النازية بآرائه وكتاباته , ولكن جيوش النازيين والفاشيين أصبحت مصر منها على مرمى حجر كما يقولون , فقرر العقاد السفر إلى السودان , وهكذا هيأت الظروف للعقاد العالم الشامل أن يكون بالخرطوم لتستقبله بالأحضان والفرح والقبلات , وكما يقول إخواننا بالخليج تستقبله بالطش والرش وماء الورد بالغرش , كانوا يحبون الرجل ويقدرون علمه , وكانت تربطه بهم صلات قوية ولعله خال الشاعر السودانى المجدد ـ بل أول من جمع بين القديم والتجديد فى كف واحدة ـ المرحوم حمزة الملك طمبل , وكتب عنه العقاد منوها مشيدا , وقد التقيت طفلا بهذا الشاعر وكان ظريفا مرحا , وهو من أبناء أرقو فى شمال السودان , من نفس بلدتى التى ولد فيها أيضا الشاعر السودانى المعاصر المعروف أخى وزميلى محيى الدين فارس الذى عمل معى رئيسا لشعبة اللغة العربية بمدرسة ثانوية كنت مديرا لها , وكان والد الشاعر حمزة ملكا لمملكة أرقو كما يذكر نعوم شقير فى كتابه تاريخ السودان , وهو من استقبل من تبقى من المماليك بعد مذبحة القلعة الشهيرة مستضيفا لهم , وللشاعر حمزة الملك طمبل قصر من طابقين فى الناحية الشمالية من مدينة أرقو مبني بطوب مصنوع من الطين , وعرض جداره ربما يكون أكثر من المتر , ويقع على شاطئ النيل مباشرة , وقد زرت هذا القصر وتجولت بين حجراته وأروقته , ولا أدرى هل تأثر بغضب النيل فى سنوات خلت انقطعت فيها عن بلدتى أم ما يزال صامدا يتحدى ثورات النيل وفيضاناته والعواصف والأنواء ؟
 وأعد السودانيون البرامج الحافلة للتعبير عن الترحيب بالعقاد , فلحن الموسيقار السودانى الكبير المرحوم إسماعيل عبد المعين قصيدة العقاد المعروفة :
يا نديــــم الصبوات   = أقبـــل الليــل فهــات
واقتــــل الهم بكأس   = سميت كأس الحــياة
هاتها باسـم حبيبى =    قـــاتـل الله عــــداتى
أترى نحـرم حتى     = ذكره فى الخـــلـوات
ذهبي الشعـر ساجى الطرف حـلو اللفـتــــات
وحـيــي لا يحـيـــــيك بغــــيـر البســـــــمات
                    هاتها عشرا وكرر =   وصفـه العذب مـئات
   ودع التلميح واجهر = باســمـه دون تـقــاة
ليغنيها فى حضرة العـقاد والقصيدة طويـلـة ولكنى لا أحفظها , بل أنسانيها الزمان , وليس لى من وثائق قربى أعتمد عليها .
   كما حفظ المرحوم الأستاذ محمود الفضلى , ذلك الأديب الشقيق للسياسى الوطنى الوزير المرحوم يحيى الفضلى , وكان محمود ذا صوت شجي , فرأى المحتفلون أن ينشد للعقاد قصيدته الرائعة (ليلة الوداع) من بحر الطويل , وأذكر منها :
أبعـــدا نرجى أم نرجى تلاقيا
كلا البعــد والقربى يهيّـج ما بـيا
إذا أنا أحمـــدت اللقاء فإنـنى
لأحـمد حـيــنا للفــراق أيـاديـا
ألا من لــنا فى كل يوم بفرقة
تجدد ليــلات الـوداع كما هـيـا
ليــالٍ يبيح الـدل فيها زمامــه
ويرخص فيها الشوق ما كان غاليا
ويا لـيـلتى لــما أنست بقـربه
 وقـد ملأ الــبـدر المـنير الأعالـيا
تطلّع لا يثنى عن البدر طرفه
فقلت حـيـاء مـا أرى أم تغـاضـيا
بنا أنت من بدر وددت لو أنه
على البعـد يبـدو أينما كنت ثـاويـا
وتلمس كـفى شعـــره فكأننى
أعارض سلسالا من الماء صافيا
وأشكوه ما يجنى فينفر غاضبا
وأعطفـه نحوى فيعـطف راضيا
إلى أن يقول العقاد :
فيا من يعيد الدهر من حيث ما أتى
 أعــد لـي ليـــلات بمـصر خوالـيا
إذا لـى فـى مـقـــبل العـيش مـــدة
 فيا رب فاجعل مقبل العيش ماضيا
والقصيدة على هذا النسق الرائع الجميل ومن عيون الشعر العربي بلا أدنى شك , لشاعر عالم حوى العلم وكان فيه بحرا عبابا , فقد كان الشاعر والأديب والعالم والسياسى والفيلسوف والمفكر والفلكى والفقيه فى الديانات , استفادت منه العربية أكثر مما استفادت من أبنائها العرب , فالرجل من أصول كردية كريمة مثلما كان شوقى وكان القائد صلاح الدين الأيوبى الخالد .
   وجاء اليوم الموعود للاحتفال بأحد الأندية الثقافية المعروفة بالخرطوم , فطرب العقاد للقصيدة المغناة , وبكى عند وصول المنشد لليلة الوداع للبيتين الأخيرين حتى خرجـت صحف الخرطوم فى اليوم التالى تحمل العــناوين البارزة ( دموع الجبار ) و ( الجبار يبكى ) , وقرأها العقاد فقال : ومن قال لكم إن الجبار لا يبكى ؟
  واعتلى المنصة شاعـر كبير يعـرف بشاعـر المؤتمر ( يعـنى مؤتمر الخريجين الذى كان يناضل ضد الاحتلال الإنجليزى وانتهى باستقلال السودان بعد رئاسة الشهيد الأزهرى لرئاسة الوزراء خلال سنوات الحكم الذاتى ) , ولشاعـر المؤتمر على نورـ رحمه الله ـ أبياته الشهيرة :
كل امرئ يحتل فى السودان غير مكانه
المال عند بخيــــــله والسيف عند جبانه
والمـرء ليس بأصغريـه بقـلبه ولســـانه
بل باكـتمـال روائـه وريـائه ودهـانــــه
وطن لو أن الحر لا يصبـو إلى أوطانه
ما كان لى شأن بذلـــته ورفعــة شـــانه
طبعا هذه الأبيات كانت عما كان يجرى فى زمان ذلك الشاعر ورؤية ذلك الشاعر ولا أكثر من ذلك , حتى لا  تفهمونا غلطا أو خطأ وبغض الطرف عن موافقتى لها أو معارضتى لمضمونها , فلكل شاعر رؤيته وتفكيره وفلسفته . وأنا من المؤمنين بحرية الكلمة مهمــا كانت الظروف , إذ فى ظل مثل هذه الظروف يكون الإبداع وتتطور الأمم .                                                                                                 أقول : اعـتلى المرحوم / على نور المنصة مرحـبا بالعقاد , ومن ضمن ما قال : وددت أن لو احتضنت العقاد الأديب الشاعر مقبلا لـه , وبإحدى يدي سكين أطعن بها العقاد السياسى فأرديه قتيلا !
   كان يتصور الشاعر على نور أن معارضة العقاد وخلافه مع الفكر النازى والفاشى يعنى تأييده للإنجليز الذين يحتلون مصر والسودان معا بينما يحتدم نضال الشعبين ضد ذلك الاحتلال . تأثر العقاد بذلك كثيرا ووقف وقال : لا يعنى بالضرورة عدم إيمانى بالنازية والفاشية تأييدى للإنجليز وكان عليك التمييز فى ذلك . ولعل العقاد رد بذلك شاعرنا إلى صوابه بعد تفكيره الذى تغلب عليه فى تقديرى ورأيى حماسه الزائد والوطنى ضد الاستعمار الإنجليزى , فلم يتركه حماسه أن يفكر فى موقف العقاد بعمق وروية .
   وهزم هتلر وموسولينى وانتصر الحلفاء ووضعت الحرب أوزارها وعاد العقاد إلى مصر مودعا ومثلما استقبل به من حفاوة وترحاب وحبابك عشرة .
    مضوا وتبقى ذكراهم إلى أمد بعيد ..... نرحل وتبقى كلماتنا وبصماتنا .....
 
التعليقات (2)add
لانا راتب المجالي
...
أرسلت بواسطة لانا راتب المجالي , أبريل 15, 2010
أديبنا الكبير حسن الأفندي:

يبدو أنني أول من وصل إلى هذه الحديقة الغناء،
كانت رحلة جميلة تنقلت فيها بين الأخوّة العربية العربية، والشعر والمبادئ الراسخة والحماس والتبصّر و ....ماذا سأقول غير أطال الله في عمرك وأسعدنا بكنوز معرفتك وعلمك وأدبك .
أستاذنا :
استفدت هنا بمتعة

تقديري واحترامي
التبليغ عن إساءة
تصويت سلبي
تصويت إيجابي
أصوات: +1
فاكية صباحي
...
أرسلت بواسطة فاكية صباحي , أبريل 16, 2010
أستاذنا الفاضل حسن الأفندي
تحية طيبة..
من يمتطي صهوة حرفك يحلق عاليا ليقف على المجرات شامخا تارة وعلى صفائح الماء باذخا طورا ..لا أخال قارئا يمر من هنا دون أن يستفيد أيما فائدة..ماشاء الله علَم في كل الفنون وكل اختيار توقعه لنا هو لوحة فنية قائمة بذاتها ..
أمد الله في عمرك ومتعنا بعبير نصوصك
التبليغ عن إساءة
تصويت سلبي
تصويت إيجابي
أصوات: +1
أضف تعليق
تصغير | تكبير

busy

انقر هنا لقراءة المزيد من الكاتب

مرحبا بك

احدث التعلقيات

ابحث عن صديق

أنا أبحث عن
العمر بين
إلى
المكان :
المدينة
الولاية
البلد

فيديو اليوم



المتواجدون الآن

3 مستخدم و 536 ضيف متواجدون

أحدث نشرات المجموعات

  • زمن الرواية إلى روح والدي وأحتسبه عند الله من الشهداء كنت قلبي يا قلبي ففارقتني و هل يحي انسان بلا قلب وكن...
  • زمن الرواية يقول الكاتب الكبير أنيس منصور : في كتابه ( كل معاني الحب) عن الفيلسوف الوجودي (كيركجور) : [الاستاذ ا...

أحدث الصور

أحدث الاعضاء

أحدث الفيديو