الكاتب موفق مدحت الذياب الاثنين, 12 يوليو 2010 20:27
( من كتاب مشاهد في حياة لاجىء فلسطيني )
بكل خجل وأسف أعترف بأنني قد أمسكت وأشعلت أول سيجارة في حياتي وأنا بعد لم أتجاوز الثامنة من عمري. لم أكن يومذاك من القوم المدخنين وكنت وما زلت لا أعلم حقيقة
وسر تلك الجرأة التي إنتابتني ودفعت بي لإرتكاب ذلك الجرم وتلك الخطيئة التي ما زالت تلازمني حتى يومنا هذا، ولكنها لم تكن لتخرج عن أحد ثلاثة إحتمالات؛ الرغبة مني بالتمرد على أمر كان ممنوعا على الصغار أمثالي، أو فضول مني لإكتشاف أسرار تلك المتعة التي كان يحتكرها الكبار فقط أو ربما كانت من باب التقليد " لأقران السوء "(وقد أصبحت واحدا منهم) ممن دخلوا في تلك التجربة.
في تلك الأيام لم نكن نشتري السجائر من الدكان، بل كنا نحصل عليها كيفما كان السبيل إليها، وأحيانا كثيرة من بقايا أعقاب سجائر الوالد أو ضيوفه. وإذا ما كانت تنعدم بنا السبل كنا نلجأ إلى تجفيف أغصان نبات " الليف الأخضر " أو " شرشوب عرنوس الذرة ". كانت والدتي تمتاز بحاسة شم قوية وربما كانت تفوق ما كان يتمتع به أنف بدري بيك أبو كلبشة في مسلسل صح النوم، وكثيرا ما كانت ترصد رائحة السجائر تفوح من فمنا وثيابنا لحظة دخولنا إلى المنزل، وكانت دائما تبحث في جيوب ملابسنا قبل غسلها. لقد أنّبتنا كثيرا وعاقبتنا أحيانا بالضرب وأحيانا أخرى بالحرمان من المصروف، ولطالما هددتنا باللجوء إلى السلطات العليا، فكنا نهدأ ونستكين لتهديدها ووعيدها فترة من الزمن، ومن ثم كنا نعاود تلك السيرة السيئة.
عندما عدت إلى لبنان في صيف العام 1975 عند حصولي على أول إجازة لي بعد مباشرة عملي في بنك الخليج في دولة الكويت، حملت معي الهدايا المناسبة لكل فرد من أفراد عائلتي، ولقد دسست ضمن مجموعة هدايا والدي ومتعمدا ولاعة "رونسون" وبعض كروزات سجائر "المارلبورو". وبعد أن قبلت يده وقدمت له الهدايا، جلست على مقعد مقابل للمقعد الذي كان يجلس عليه وأخذت أرقبه وهو يقلب الهدايا واحدة تلو الأخرى وهو يتمتم ببعض كلمات الشكر والثناء والدعاء لي بالتوفيق والنجاح. وما أن إنتهى من تعليقاته وشكره على تلك الهدايا حتى أسرعت وأخرجت من جيبي علبة السجائر والولاعة وأشعلت أول سيجارة في حياتي في حضرة والدي. عندها نظر إليّ الوالد حائرا عابسا باسما ثم نهض واقفا وقال وهو يخرج من الغرفة الى البلكونة :" جايب لي رشوة يا عكروت عشان تسكتني ".
في العام 1977، ومع إقتراب حلول شهر رمضان المبارك خطرت في ذهني ولأول مرة فكرة تجربة التوقف عن التدخين طوال أيام ذلك الشهر الفضيل، ثلاثون يوما كاملة خالية من التدخين. لقد كانت تجربة قاسية جدا في العام الأول لشخص مثلي " مدخن من العيار الثقيل " ولكنها نجحت، وكانت تجربة صعبة في العام التالي ولكنها كذلك نجحت. وهكذا دارت السنون وقد تمرست على التوقف عن التدخين في كل عام إبتداء من ليلة ثبوت هلال شهر رمضان المبارك وحتى ليلة ثبوت هلال شهر شوال وعيد الفطر السعيد. ورغم بعض الإنتقادات وبعض التعليقات الجادة والهزلية من الأصدقاء المدخنين وغير المدخنين، إلا أنها كانت بالنسبة لي محطة أساسية للتمرس وتنمية القدرات على التحرر النفسي من عبودية السيجارة، ومحطة إستراحة صحية لتنظيف الرئتين والدم والتخلص من آثار وسموم التدخين، ولكنه وللأسف كان إعتقادا خاطئا.
في العام 1999 كان قد حان وقت الحساب ودفع ثمن ذلك السلوك المؤدي إلى التهلكة، عندما دخلت إلى المستشفى نتيجة الإصابة بما يطلق عليه " الجلطة القلبية "، وأصبحت على قاب قوسين أو أدنى من العشاء الأخير، لكن العناية الإلهية ورأفة ورحمة منها بزوجتي وأولادي شاءت لي أن أتجاوز تلك المحنة، وقد عاهدت نفسي وعائلتي والأطباء والأصدقاء في السر وفي الجهر أن أقلع وللأبد عن تلك العادة السيئة. ولكن وما أن منّ الله علي بالشفاء وعدت إلى مزاولة نشاطي وحياتي بشكل طبيعي حتى وجدت نفسي وقد عدت مرة أخرى إلى معشوقتي النارية لأستمتع بها وأنا أشعلها بعود الثقاب، بينما هي تستمتع بإشعال النار في بدني وفي أحشائي، حتى وقعت الواقعة وأصابتنا الجلطة القلبية للمرة الثانية... فهل هي الخاتمة والأخيرة أم أن الله سبحانه وتعالى سوف يمنّ علينا بفرصة أخرى.. ألله أعلم.
التعليقات
(2)


فى آخر كلمة فى المقطع الثا..



ألا ترى سيدي أن هذه المعشوقة تتقلب بين شفاه ما لا يعد و يحصى من الرجال ؟
إن ما تستحقه هذه المعشوقة هو الهجر، و أن تداس تحت الأقدام دون اشتعال.
مجرد عادة و يمكن الإقلاع عنها بما هزم حتى الشلل: "الإرادة"
كان الله في عونك .
شكرا على مشاركتنا مواقفا من ماضيك بأسلوب جميل و ظريف .