السبت, يوليو 31, 2010
   
حجم الخط

آخر حوار مع المرحوم أنيس صايغ:

قبل رحيله بعدة أشهر أجرى نزيه أبو نضال آخر حوار مع المفكر المناضل أنيس صايغ استكمالا لحوار سابق كان قد منع نشره وهذا هو النص الكامل للحوار كما نشرته جريدة الغد الأردنية في 22/5/2009

عمّان- حين نلتقي بقامة فكرية بحجم الدكتور أنيس صايغ، فنحن نحتاج بالضرورة إلى محاورة من نوع خاص، يمكنها أن تحيط بمسيرته وبسيرته، وأن ترصد الحركة العاصفة لتطوره الفكري والسياسي والايديولوجي، بمراحله المختلفة.. من ابن قسيس في طبريا إلى قومي سوري اجتماعي، إلى قومي عربي..، إلى الانخراط في خضم النضال الوطني الفلسطيني: مفكراً ومؤسساً لأهم وأخطر مركز أبحاث فلسطيني.

ومن هنا لم تكن صدفة أن تسعى اسرائيل لاغتياله، بواسطة طرد متفجر في 19 / 7 / 1972 حين كان يشغل موقع مدير مركز الأبحاث الفلسطيني في بيروت.. فنجا من الموت بأعجوبة، ولكنه لم ينج من آثار التشوهات التي لحقت بجسده، ولكنها زادت روحه صلابة، كما قام العدو بضرب المركز بالصواريخ في الساعة الثامنة وسبع دقائق من صباح 14/ 12 /1974 لحظة وصول الباحثين إلى المركز، ومن هنا أيضاً لم يكن مفاجئاً أن يسطو العدو، بعد احتلال بيروت 1982، على هذا المركز، بكل ما يحتويه من وثائق ومخطوطات وأرشيف يرصد بصورة يومية تطورات القضية الفلسطينية، بمختلف جوانبها وأبعادها، كما يتابع بدقة علمية كافة الجوانب الخاصة بالكيان الصهيوني.

كنت أعرف صايغ من بيروت منذ أوائل السبعينيات، أما هذا اللقاء فكان قبل سنوات في بيت أنسبائه من بيت شعبان بعمان، وحالت ظروف لعلها معروفة، دون نشره، وها نحن نواصل الحوار في 22 أيار (مايو) 2009، في مقر منتدى الفكر الديمقراطي بعمان، وكأن الرجل لم يتوقف أو ينقطع.. فالرؤيا الثاقبة فيما قاله لي آنذاك تتأكد كل يوم بالملموس الدموي في بيروت وغزة وقبلهما في مسار التسوية الفلسطيني والعربي، وهذه الرؤيا الثاقبة حاضرة بقوة في كل ما أصدره د. أنيس من كتب وما قدم من دراسات وأبحاث.. وهذه الرؤيا هي ذاتها يقين شعبه، ولا تحتاج إلى (منجم) مغربي ولا قارئة فنجان، فقط ما يكفي من المعرفة البسيطة، والكثير من حب الوطن.

ولد أنيس صايغ عام 1931 في طبريا. بدأ دراسته بمدينته وأنهى الثانوية سنة 1949 في مدرسة الفنون الإنجيلية في صيدا التي انتقل إليها بعد الاحتلال الصهيوني لمدينة طبريا. نال شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية والتاريخ سنة 1953 من الجامعة الأميركية في بيروت، أشرف على تحرير الزاوية الثقافية والتاريخية في جريدة النهار، عمل مستشاراً للمنظمة العالمية لحرية الثقافة.

حصل على الدكتوراه من جامعة كامبردج في العلوم السياسية والتاريخ العربي، وعين في جامعة كامبردج أستاذا في دائرة الأبحاث الشرقية، فمديراً لإدارة القاموس الانجليزي العربي.

عين مديراً عاماً لمركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت، فرئيساً لقسم الدراسات الفلسطينية في القاهرة. حقق انجازات هامة وكبيرة كإنشاء مكتبة ضخمة، وإصدار اليوميات الفلسطينية ومجلة شؤون فلسطينية، نشرة رصد إذاعة إسرائيل، إنشاء أرشيف كامل يحتوي على كافة الأمور التي تعني الباحثين. عمل عميداً لمعهد البحوث والدراسات العربية التابعة للجامعة العربية.

اشرف على إصدار مجلة المستقبل العربي وقضايا عربية، كما عمل مستشاراً لجريدة القبس الكويتية، فأنشأ لها مركزاً للمعلومات والتوثيق. وهو صاحب فكرة وضع الموسوعة الفلسطينية.

**

* لاستكشاف جوانب رحلة حياة مديدة كحياة أنيس صايغ لعل من المفيد أن نبدأ من الجذور والمنابت التي شكلت وصاغت مفكراً وباحثاً بحجم صايغ ؟ فهل ثمة في بدايات الطفولة الأولى ما أسس لما تشكل لاحقا من خيارات ومواقف؟

- إذا بحثنا عن منابت التشكل الاساسية فهي تبدأ بعلاقة الانسان بالعائلة؛ أعني العائلة الصغرى: الأشقاء والوالد والوالدة، فهي بالنسبة لي، وربما لغيري ذات أثر أكبر من أي شيء آخر، بل لعلها أكبر من المدرسة ومن الحزب، لأنها تهيئ وتؤسس لما بعد. وأنا أعترف أني كنت دائما متأثرا بنشأتي العائلية، ربما لأنني الأخ الأصغر لعائلة مؤلفة من سبعة أبناء، والأصغر يستفيد من تجارب إخوانه الأكبر منه باعتبارهم قدوة له، وهذه العائلة إن تميزت بشيء ففي كونها عائلة ثقافة. أول منظر عيوني تراه منذ صغري هو الكتابة على الحيطان. والدي كان رجل دين، قسيسا بروتستانتيا مسيحيا براتب محدود جدا، ولهذا فكل شيء في البيت كان بسيطا، البيت نفسه وأثاثه، إنما الكتب هي الشيء الأساسي.

أذكر حوالي العام 1945 زار فلسطين ويندي ويركي، وكان مرشحا لرئاسة الجمهورية في أميركا. وذلك ضمن رحلة حول العالم وكتب كتابا فيما بعد سماه "عالم واحد"، حين جاء إلى فلسطين وأقام عدة أيام قدم إلى طبريا من دون المدن وجاء إلى بيتنا، وأتصور أن الذي أوحى له أن يأتي إلى بيتنا ما سمعه عن مكتبتنا، وكأنه يزور مكان علم أو يذهب إلى مكتبة أو إلى ندوة علمية. وأذكر كيف كان في غرفتي الصغيرة دوما ومنذ أن وعيت، وقبل أن اقرأ مكتبة كتب مصورة على قماش حتى لا تمزق بيد الاطفال ونمت المكتبة، وكلما كبرت سنة تنمو، ولا زلت أذكر بعض أسماء تلك الكتب. لقد نشأت في جو المكتبة، وهذا يعني احتراما للكلمة وللرأي الآخر أي لوجهات نظر مختلفة. لأن الكتب تعبر عن اشياء متعددة ومتنوعة.

في المرحلة التالية بدأت أحس بمعنى الوطنية والالتزام الوطني، ومن دون أن يوجه احد أحدا. فلا أذكر أن أحداً من إخوتي أو والدي كان يتحدث عن الوطنية، وما هو الوطن، ولماذا يجب أن نحافظ على عروبة فلسطين، ولكن منذ بدأت أعي وكان عمري خمس سنوات، بدأت تتشكل لدي مفاهيم الوطن، من ذلك مثلا إذا كنت محتاجا لقميص فعلي أن أذهب إلى طبريا مع والدي إلى دكان معين، وليس إلى الدكان القريبة من بيتنا وتبيع القمصان، لأن صاحبها يهودي. حدث ذلك بعد ثورة الـ 1936 حيث كنا نقاطع البضائع اليهودية. حدث ذلك من دون أن يعطيني أحد محاضرة عن ضرورة المقاطعة وعن مخاطر الصهيونية، وأطماعها في فلسطين، فقد عرفت ذلك عمليا ان نشتري من هذا المكان ولا نشتري من هذا المكان.

• كيف تذكر طبريا في تلك الأيام؟

- كانت طبريا مدينة فيها عدد كبير من السكان اليهود، وعندما بدأت المقاطعة لم يكن يوجد حليب أو لبن أو لبنة أو جبنة أو بيض من انتاج عربي، كان كله إنتاجا يهوديا، وبقينا لمدة في أزمة، بسبب احتياجات الأطفال، فهل نخرج على المقاطعة ونشتري من اليهود، أو نقنن تلك الأمور ولا نشتريها. واستمر الحال ستة شهور عندما بادر أحد المتمولين الفلسطينيين في طبريا ففتح معملا لمداجن الدجاج ومعملا للأجبان والألبان.

* وماذا عن خيارات العمل الوطني آنذاك؟

- بالنسبة للمشاركة في العمل الوطني إذا جاز التعبير. أتصور أن أي إنسان كان سيفعل ذلك لو كان مكاني،  أكبر أشقائي دخل منذ أواسط الثلاثينيات في صفوف الحزب السوري القومي، وحينما دخل أخي يوسف الحزب العام 1936 كان تلميذاً بالجامعة، وبعده فؤاد تخرج مهندساً العام 38-39، وبعده فايز كان طالبا بالجامعة، رغم صغر سنه.. أعجب بمبادئ انطون سعادة فدخل الحزب السوري القومي، وهكذا نشأت في جو هذا الحزب الذي كان، كما كنا نعثقد، يمكن أن يحقق مطالب الشعب.

هذا الكلام كان يدور في بيتنا، وأنا ابن عشرة أعوام، ربما لم أكن أفهم ما هي مطالب الشعب، إنما هذا الجو الذي عشت فيه لم يكن غريبا أن أدخل الحزب العام 1949 وكنت ابن 18، وكنت وصلت لبنان في شباط (فبراير) العام 48، لكن الغرابة كيف؟

عندما دخلت الحزب كنت تلميذا بسيطا، وكان فايز هو مثلي الأعلى، ولكن فايز كان قد ترك الحزب بسبب خلافات فكرية شديدة، بل وكتب كتابا يهاجم سعادة، ثم سافر إلى أميركا؛ فدخلت الحزب بعد عام كامل على خروج فايز منه، ربما، وهذا تفسير لاحق، كنت أريد أن أثبت استقلاليتي، ووجودي مثل طفل صغير يدخِّن من أجل أن يبرهن لصديقته أنه لم يعد ولدا؛ فقد صرت ابن 18 سنة.

• دعنا نرجع إلى المنبت العائلي فالمعروف أن الطوائف البروتستانتية عموماً تتجنب العمل السياسي، فكيف حدث مثل هذا الانخراط بالعمل الوطني كالمشاركة بالمقاطعة والانخراط بالأحزاب،الخ... ؟

- يبدو في الأمر التباس ما.. فأنا مدين إلى هذا الجو العلماني غير المتعصب دينيا. وأحب أن أقول رغم أن والدي قسيس، أي رجل دين، وأن مثل هذا الجو غالبا ما يميل إلى طائفة معينة ودين معين والابتعاد عن الطوائف الأخرى، غير أن الكنيسة البروتستانتية التي ننتمي لها هي الوحيدة بين الكنائس المسيحية في المشرق العربي التي تسمي نفسها الكنيسة الوطنية الانجيلية، وهذا اسم متفق عليه، بينما الكنيسة الأرثوذكسية المعتبرة أكثر عروبة هي كنيسة انطاكية وسائر المشرق. وأنا تحدثت مع البطريرك هزيم رأس الكنيسة في دمشق. لأن عمان تتبع القدس، ولكن لبنان وسورية تتبع البطريرك هزيم وهو رجل وطني ممتاز. وحين ناقشته مقترحا حذف اسم انطاكية فهذا تعبير من القرون الوسطى، أجاب: "نحن لا نستطيع لأن هناك قوانين ودساتير وأوقافا، ولست أنا من يبدل ويتصل بحكومات وغيره".. المهم الكنيسة الانجيلية هي الكنيسة الوطنية وتستعمل اللغة العربية كاملة من دون استثناء كلمة واحدة في الطقوس الدينية، كل شيء بالعربي بينما كنائس ثانية تستعمل كلمات لاتينية. وبالرغم من العدد المحدود لهذه الطائفة في المشرق العربي فإن عدد الشهداء الذين خدموا القضايا العربية وقضية فلسطين عدد بارز نسبيا .. من عزت طنوس إلى فؤاد سابا إلى شبلي الجمل، ومجموعة كبيرة كانت من الانجيليين خاصة في حقل الإعلام.

وربما كان أهم عشرة خدموا القضية الفلسطينية في الإعلام الخارجي في أميركا كانوا من الإنجيليين، أولهم كان خليل طوطح من العشرينيات وسامي هداوي وعزت طنوس وفايز صايغ وادوارد سعيد وحنا ميخائيل (ابو عمر)، فهل من المصادفة أن كل هؤلاء انجيليون. أنا لا أقول إن الطائفة الانجيلية وطنية أكثر من غيرها، لا. ولكن ربما أدت واجبها. وبهذا الجو نشأت أنا. وفي هذا البيت التعصب الطائفي غير موجود، وسأروي لك هذه الحادثة: في العام 1959 تزوجت وذهبت إلى بريطانيا أستاذا في جامعة كامبردج في آخر أيلول (سبتمبر) والإنجليز يبدأون بإرسال بطاقات المعايدة في تشرين الثاني (نوفمبر) أي قبل العيد بشهر، اشتريت وزوجتي 100 بطاقة معايدة كي نرسلها إلى أصدقائنا، وبدأت أعد كشفا بالأصدقاء الذين سأرسل لهم بطاقات عيد الميلاد. وحين بدأت كان أول صديق ورد اسمه في القائمة مسلما، والثاني كذلك، ثم اكتشفت أنني حين وصلت رقم 21 صدف أنه كان مسيحيا. والنتيجة أنني اشتريت مائة بطاقة وبعثت منها عشراً فقط. هذا هو تأثير البيت علي.

* في مسألة الوحدة الوطنية كانت فلسطين متميزة قياسا لأي مكان آخر. أذكر أنني اشتغلت في بيروت على دراسة حول الطائفية في فلسطين ونشرت في مجلة حوار التابعة للحزب القومي السوري الاجتماعي، وفعلا فقد كشفت الدراسة هذا التاريخ الوطني الفلسطيني المشرف كان كل الشعب في مواجهة الاحتلال والصهيونية.

- واستمر هذا حتى بعد الهجرة والخروج من فلسطين وهذا الجانب الطائفي تشاهده في لبنان أكثر، فأنت حين تجلس مع اللبناني، أول سؤال يفاجئك: ما هو مذهبك؟! وينعكس ذلك على السلوك والعلاقات، ولكن الفلسطيني يكون صديقك منذ عشر سنوات ولا تعرف ما هي طائفته. وفي حادثة حديثة جداً اكتشف، وأنا أعرف الأخ نزيه أبو نضال منذ أواخر الستينيات أو اوائل السبعينيات اول أمس فقط اكتشفت بالصدفة أن الأخ نزيه مسيحي. وقد لاحظت ذلك في الأردن كذلك لأن التعاون موجود بين الجميع وليس المذهب أو الطائفة ما يقرر العلاقات بين الناس.

* لك كتاب مبكر، ربما كان أول مؤلفاتك بعنوان "لبنان الطائفي" ما مدى علاقة كلامك السابق بهذا الكتاب؟

- وصلت لبنان بنفسية عربية وطنية وإذ بلبنان يوزع الناس فيضع على جبين كل منهم ختمه الطائفي.. فهذا مسيحي وذاك مسلم، الآن لم يعد مسيحي أو مسلم فقط أصبح شيعيا أو سنيا أو درزيا أومارونيا او أرثوذكسيا أو أرمنيا! وحين أصدرت كتاب "لبنان الطائفي" كنت لا أزال تلميذا في الجامعة وصدر عام 1954، أي عندما كنت بعمر 23 عاما ورافق ذلك قصة طريفة ذات دلالة، فالناشر اتفق مع مطبعة ما، وحين وصل بالطباعة صفحة 160 وبدأ بصف صفحة 161 وإذ بها إدانة لحزب الكتائب اللبناني باعتباره حزبا طائفيا، وصدف أن صاحب المطبعة كان مسؤولا في حزب الكتائب.. فقال أرفض أن اطبع كتابا فيه تهجم على الحزب وتوقف عن الطباعة. فطبعنا الملزمة الأخيرة من صفحة 161 الى 176 في مطبعة أخرى، والكتاب نفد من الأسواق منذ أربعين سنة ولو كان الكتاب بين أيدينا لوجدنا آخر 16 صفحة بورق مختلف عن باقي ورق الكتاب وطريقة الصف. ولم أحاول استغلال ما حدث كأن أضع الحادثة على غلاف الكتاب وأصبح بطلا، فقد احترمت الرجل لأنه لا يطبع شيئا غير مقتنع به، فالطائفية كانت عملية تحدٍ.

هذا الكتاب كان سيكون واحدا من ثلاثة كتب كما أشرت إلى ذلك في المقدمة، كي تنشر في كتاب واحد أحدها لشقيقي فايز والثاني لشاب كان يدرس معي في الجامعة اسمه حليم فياض، وحين تخلف الاثنان طبعت دراستي ككتاب مستقل.

• إن الجيل الذي تنتمي له جيل عايش العصر الذهبي للعمل القومي في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كان هناك قوى تؤطر هذا التوجه: القومي السوري الاجتماعي، حركة القوميين العرب، حزب البعث، لكننا في الألفية الثالثة نعود إلى مربعاتنا الطائفية الأولى، لماذا عدنا للخلف الآن؟

- هي ردة عامة وليست في حقل معين أو في ناحية معينة من حياتنا لقد عدنا إلى الوراء في كل المجالات: في قضية الطائفية والعلمانية، في مفهوم العمل الوطني، في الالتزام العقائدي، في مفهوم الوحدة، وآسف أن أقول أيضا في النظرة إلى العدو الصهيوني، العدو يزداد يوما بعد يوم ضراوة وشراسة، نحن عدنا إلى الوراء في مواجهته وإلا فكيف نفسر سياسات الانحراف والتسوية؟

* ولكن كل هذا الانهيار ما هو تفسيره؟

- لا يوجد جواب، أبدأ بالقول إنني لا أتصور انه عندي أو عند أحد آخر تفسير هذه الردة المخيفة جداً ولكن لنحاول تلمس بعض جوانب المسألة.. ربما واحدة من الأسباب إن أساسنا الوطني القومي الوحدوي العلماني التقدمي كان أساسا عاطفيا، ولم يكن مبنيا على استعمال كامل العقل والإدراك، وكأننا ورثنا هذه العاطفية عبر صراعنا ضد العثمانيين وضد الاحتلال ضد التجزئة، ضد سايكس بيكو ضد وعد بلفور.. سرنا بالمظاهرات أو آباؤنا ساروا فيها، وتابعنا المسيرة لكن لم نكن نستعمل الإدراك العقلي كي يقينا من مغبة الانحراف فيما بعد عندما جاءت ظروف ساعدت على هذا الانحراف، من هذه الظروف تراكمات الوضع المعيشي صعوبة الحياة، والدتي لم تطلب من والدي أن تسافر مرة واحدة، كان ما يهمها توفير تكاليف بسيطة لتعليمنا في الجامعات في الخارج، الآن أنت تحتاج عشرات الأضعاف كي تغطي تكاليف التعليم السابق، وقس على ذلك.. وهناك ظاهرة عامة بدأت منذ العام 1990 هي سقوط المثقف العربي وسيلاحظ ذلك كل من تابع مقالاتي خلال العشر سنوات اللاحقة. ومن هؤلاء عدد كبير من المثقفين العرب وخاصة الفلسطينيين واقصد الفلسطينيين المعنيين في الشأن الفلسطيني، أنا افهم انهم لم يعودوا قادرين على الاستمرار بالدعوة إلى الحفاظ على الثوابت، وكان يمكن أن يصمتوا، ولكن اغلبهم لم يسكت.. أصبحوا وزراء إعلام لنهج التسوية في هذا البلد أو ذاك.. في هذا التنظيم الفلسطيني أو ذاك، ولا نحتاج أن نعطي أسماء لكن افتح أي جريدة في أي يوم وانظر ماذا كان يكتب سابقاً وماذا يكتب الآن!

* ولكن هل يكفي الحديث عن دور المثقف في تفسير كل هذا التراجع العربي أي سقوط التجربة الحزبية العربية وسقوط الفكر القومي العربي، تراجع الدولة القطرية، وموضوع الردة الاصولية، والتي تتخذ أشكالاً أكثر عنفا وتطرفاً؟

- هذا يعيدنا إلى جوهر الموضوع وهو تأسيسنا العاطفي، إن هذا العصر هو عصر التكتلات الاقتصادية والسياسية الكبرى، والآن لننظر حولنا، وحتى لو لم يتحدث عنه القوميون السوريون ولم يطرحه أنطوان سعادة، عن كتلة للهلال الخصيب وسوق عربية مشتركة أي بإعادة وصل أجزاء الوطن العربي على أساس مصلحي وليس على أساس عاطفي شعاراتي أو أساس فكري، أي خلق سوق عربية مشتركة، أو خلق سوق عربية في بعض الدول مثل مجلس التعاون الخليجي يصبح لهذه الدول امتيازات، أي إعادة صياغة فكر قومي عربي على أساس مصلحي وليس على أساس عاطفي. لم لا يحدث تكامل اقتصادي بين الدول العربية أو حتى بين دولتين عربيتين أو حتى بانتهاج سياسة المحاور التي كنا ننتقدها نحن كقوميين عرب، لقد انتهت في الوطن العربي، كنا نسمع عن جبهة صمود وتصد، مجلس تعاون عربي، اتحاد مغاربي، حتى المحاور والتكتلات التي كنا نرفضها بين العديد من الدول العربية حتى هذا انتهى، إن هناك كما يبدو من الأسباب أكبر من دور مثقف عربي أو حتى الإدراك العقلي للمثقف العربي.. هناك العديد من العوامل، أخذنا الحلم العربي، الشكل الظاهري من التراث العربي واكتفينا فيه كدعامة لدعوتنا إلى الوحدة العربية والعمل العربي المشترك لم نتعمق في دراسة الواقع العربي، الحقيقة العربية، التاريخ العربي، لنستمد منه دفعة للأمام.

• في فترة سابقة كان المثقف العربي أميناً على ما يحمله من أفكار، وكان هناك مجموعة من مراكز الدراسات وأنت شخصياً كان لك تجربة في مجال البحث والدراسة وخاصة في مركز الأبحاث الفلسطيني، وأنجبت هذه المؤسسات كما هائلا من الكتاب والباحثين، بمعنى أن ما قدمه المركز من دراسات متقدمة في كل جوانب العمل الفلسطيني، ومن تنبيه مبكر بالخطر الصهيوني، فلماذا كانت هذه الفجوة الكبيرة بين ما أنتجه المفكر والباحث العربي، وما أنتجته مراكز المؤسسات والبحث والدراسة وبين المؤسسة السياسية الفلسطينية.. أين كانت المشكلة ؟

- النظام العربي هو نظام واحد، بما فيه النظام الفلسطيني نظام قائم على حكم يريد أن يبقى في الحكم يعمل كثيراً حتى يصل إلى الحكم عن طريق الجيش أو الحزب أو أي طرق أخرى ولكن قلما تكون طريقا ديمقراطية، يريد أن يتمسك بالحكم وينفذ سياساته وأفكاره، وهي عادة تعكس مصلحته في البقاء في السلطة، في هذه التركيبة يبحث الحاكم عن أعوان ليرددوا ما يقوله ويبحث عن عدد محدود من المثقفين من رجال الفكر الذين يمكن أن يخدموه، ويجملوا صورته وبالتالي يسوّقوه في أوساط الجماهير.

* لديك تجربة ثمينة في هذا المركز الذي كان ينتج الثقافة والفكر والمعلومة، والمعرفة، لم يكن أحد يستفيد منها. هناك منطقة ميتة ما بين الانتاج الفكري والثقافي وحتى التقارير التي تقدمها هذه المراكز وبين القيادة السياسية بل لعلها لم تكن تطلع على هذه الافكار والابحاث، أو لم تكن بالغالب تؤيدها او تدعمها، وأنت عبر تجربتك في مركز الأبحاث كيف تفسر هذه الفجوة ما بين القرار السياسي والانتاج البحثي؟ هذه الشهادة مهمة من د. انيس صايغ رئيس مركز الابحاث الفلسطيني عن هذه العلاقة وعن ضياع كل هذا الجهد بأن يتحول العمل البحثي الاستراتيجي إلى قرار سياسي او برنامج ؟

- كان هناك تقطع وضعف شديدين بين مركز الابحاث وسائر المؤسسات البحثية وبين صانع القرار السياسي في معظم الدول العربية بما فيها صانع القرار السياسي الفلسطيني، وبالفعل لم يكن يستفاد إلى حد بعيد من إنتاج وأفكار العاملين في هذه المراكز، وخصوصا النوع الأكثر أهمية وأقل انتشاراً، وهو مساعدة صانع القرار في صناعة القرار، كنا نطبع من هذه التقارير 100 نسخة فقط على الآلة الكاتبة وتسحب استانسل وهذه النسخ مرقمة من 1 – 100 وكل مسؤول يأخذ نسخة مرقمة يستلمها بإيصال حفاظا على السرية، ومن هذه التقارير ما هو من طبيعة عسكرية وبعضها يتضمن خرائط طرق المواصلات وأسماء الأماكن العبرية ولكن بحرف عربي، وعد وقوع أحداث معينة كنا نعد دراسة بكل الإحتمالات وهذا أيضا عمل مركز التخطيط ولا أعلم إلى أي حد استفادت القيادة الفلسطينية أو لم تستفد ولكنني أعلم أن هناك سياسيين وصانعي قرار عرب بينهم عبد الناصر كان يقرأ ملخصا من كل كتاب يصدر عن مركز الأبحاث، إلى حد أنه عين عقيدا في المخابرات المصرية وهو ابن ابراهيم عبد القادر المازني الاديب العربي عينه ضابط ارتباط بين السفارة المصرية ومركز الأبحاث الفلسطيني، وكان أسبوعياً يأتي إلى المركز ويطلب معلومات أو يسأل سواء من الأرشيف أو نحن نقدم له المعلومات أو يطلب دراسات ونقدمها لتذهب مباشرة إلى مكتب الرئيس وليس إلى السفارة، وهذا الرجل في اوائل 78 جاء ونبهني إلى أنه سيتم إرسال طرد من ألمانيا الغربية بشكل كتاب وحذرني: "لا تقم بفتح أي كتاب يأتي من ألمانيا ارسله لي على السفارة المصرية سوف يتم فحصه ونعيده لك سليما"، وتبين لي أن الرجل كان عنده معرفة.. فبعد 3 أو 4 شهور وصل الكتاب المتفجر إلى بسام أبو شريف.

* من اللافت، في زمن الأمية المتفشية الآن، كل هذا الاهتمام المبكر من عبد الناصر بمركز الأبحاث الفلسطيني في بيروت أظنها إشارة تستحق التوقف؟

- عبد الناصر كان يهتم جداً بالبحث العلمي، العام 1972 كان أمين هويدي سفيرا لمصر في العراق فوضعه عبد الناصر مسؤول البحث العلمي ومن ثم مسؤوله الامني، في ذلك العام كنت في مصر، ودعاني هويدي على عشاء وسألني عن مركز الابحاث حتى عن عدد العاملين وعدد الغرف، قلت له 10 – 15 غرفة والباحثين أقل من 20 باحثا ولم يصدق أن هذا العدد فقط يعمل في المركز وكان يعتقد ان العاملين من 200 – 300، ويجب أن يكون لكم بناية في أحد قصور الملك فاروق وتعطى لكم، كان هذا دليل اهتمام عبد الناصر بأهمية مركز الأبحاث وعلمت أنه كان يقرأ ويسأل، وكنا نعمل كي يجاب على أسئلته، وكما ترى فدور مركز الأبحاث الفلسطيني تجاوز العمل الفلسطيني عربيا وكان المسؤولون والباحثون في سورية، وخاصة في وزارة الدفاع السورية، ومنهم حكمت الشهابي، الذي صار بعدها رئيس اركان الجيش السوري، يأتون إلينا، ومعهم مجموعة من الاسئلة نحاول ان نجيب عليها.

وفي المقابل هناك نوع كاريكاتيري من المسؤولين العرب، في أحد الأيام اتصل السفير التابع لأحد الرؤساء العرب وقال لي إن هناك قضية خطيرة! الرئيس يريد من مركز الابحاث مجموعات طلبات يريد كشفا كاملا بأسماء جميع جنود وضباط الجيش الاسرائيلي الاسم الثلاثي لكل جندي، ثم عنوان بيت كل واحد من هؤلاء الجنود، واذا كان متزوجا يسكن مع زوجته او اعزبا يسكن وحده او مع اهله، وتاريخ مولده فقلت للسفير ان هذه عملية صعبة جداً هذا عمل المخابرات ونحن لسنا مخابرات ولكن لماذا؟ قال: سيادته يفكر بفكرة جريئة جداً لم يفكر أحد عربي  فيها، ارسال باقة زهور لكل واحد من هؤلاء يوم عيد ميلاده! ونفس الدولة التي يرأسها هذا الرئيس وفي زيارة لي لهذه الدولة وبدعوة رسمية من رئيسها، صادرت كتب مركز الأبحاث في المطار وكنت أحملها هدية له، وكان من بينها كتاب "الاقتصاد الاسرائيلي" ، قال لي الموظف: انت فلسطيني وتدعي انك مناضل وتحمل كتابا عن الاقتصاد الاسرائيلي!! وأفهمني: هؤلاء أعداؤنا يا أستاذ!

وفي واقعة أخرى جيش عربي شارك في حرب 67 واكتشف انه ليس لديه خرائط عسكرية..فاعتمد على خارطة فلسطين التي عملها المركز اول انتاج المركز سنة 66 – 67 خريطة جدارية لفلسطين كما كانت 48 وخريطة تقول عنوانها فلسطين 1948، أي أن كل مستعمرة أقيمت بعد 15 ايار (مايو) 1948 ليست موجودة وكل قرية عربية هدمت موجودة على الخريطة ليست موجودة في الواقع، جيش عربي حارب أو زعم أنه حارب في فلسطين، مستندا على هذه الخريطة! وأنا أقول هذا اعتماداً على ما قاله لي ضباط من تلك الدولة، هذه الوقائع تكشف أهمية مراكز البحث لا على المستويات الاستراتيجية فحسب بل على مستوى المعلومات الأساسية أيضاً.

• أنت كتبت وبحثت في الصهيونية العدوانية التوسعية ولكن الآن، ونحن في مطلع الألفية الثالثة توجد تطورات هامة تجري في اسرائيل، هناك من يقول ان في اسرائيل يوجد ازمة حكم منذ عشر سنوات، حيث تجري دائما انتخابات مبكرة، الى اين تسير اسرائيل ؟ وهذا الموضوع كان مثاراً بين المفكرين العرب فهناك من تحدث عن وجود خلل في قضية علاقة اسرائيل بالصهيونية هل حدث بالفعل مثل هذا الخلل وإلى أين تسير العلاقة بين إسرائيل والصهيونية؟

- إذا نظرنا إلى هذا الموضوع نظرة شمولية فأنا لا أرى وجود مثل هذا الخلل، فالعلاقة لا زالت قوية بين اسرائيل والصهيونية، طبعا انتم تسمعون باستمرار منذ أواخر التسعينيات عن المؤرخين الجدد، وبأن بعض المفكرين الاسرائيليين ينظرون بـ (عطف) إلى الشعب الفلسطيني! هذا الحديث عند بعض مثقفينا، الذين يدعون للحوار مع الآخر، أقوى مما هو عندهم ويستشهدون فيه أكثر مما يستشهدون هم. بعض الصحف مثل ملحق جريدة النهار (الياس خوري) كل عدد يتحدث في هذا الموضوع عن حسن نية، لكن هل هو اتجاه قوي داخل اسرائيل؟ هل هو ظاهرة مؤهلة أن تنمو؟ أنا أتساءل ما هو جوهر دعوة المؤرخين الجدد ودعاة التفهم للعرب والمطالب العربية للتفاهم فيما بعد، هؤلاء لم يتنازلوا عن صهيونيتهم (لم يتنازلوا عن فكرة الحق اليهودي في فلسطين) وبقدر ما يقولون إن هذا الحق الذي لنا مارسنا تنفيذه بطريقة بشعة بطريقة وحشية نتمنى لو لم نستخدم هذا الاسلوب وكنا ارحم على الشعب الفلسطيني، وعلينا في المستقبل ان نتفاهم مع هذا الشعب، وهذا الكلام ليس اعترافا بخطأ فهو يؤكد على حق اليهودي بأن يهاجر من بولونيا إلى فلسطين، هو يقول فقط إن هذه الهجرة والاستيلاء على فلسطين تم بصورة لا تتناسب مع القرن العشرين.

انا لا أرى في المؤرخين الجدد ودعاة التفاهم والتفهم ليس لديهم قدرة على الخروج من الطابع الصهيوني الاسرائيلي، وأنا لا أتصور أن هناك أملا بأن تتسع هذه الافكار وتتجاوز الفكر الصهيوني، والدليل أيام الانتفاضة غالبية اليهود وقفوا مع التطرف وليس مع الاعتدال، وهذا ما تؤكده نتائج الانتخابات حتى الآن.

• د. أنيس صايغ، كيف تفسر هذا التشظي في المؤسسة الاسرائيلية وعلى الصعيدين الرسمي والاهلي، في السابق كان هناك حزبان أساسيان فقط: عمل وليكود يقودان المجتمع، ماذا تفسر هذه الحالة من التشظي وتآكل الأحزاب الإسرائيلية ؟

- تركيبة المجتمع اليهودي في فلسطين تركيبة متناثرة بالاساس لغوياً والجنسيات وبعضهم لا يفهم جاره ماذا يقول، شيء طبيعي هذه التركيبة الغريبة تؤدي إلى صعوبة قيام انسجام مجتمعي، أنا أقول لا يوجد مجتمع يهودي في فلسطين يوجد مجموعة مجتمعات، تنتج مثل هذا التشظي. والفعل الفلسطيني والعربي المقاوم يسهم في ذلك. الكيان الصهيوني لن يتغير بقواه الذاتية أنا أقول انه لن تتبدل خلال 20 او 30 سنة ربما يحدث شيء ما في المدى البعيد! ولكن لا أحد يستطيع أن يتحدث عن المدى البعيد.

***

هذا الحوار، الذي جرى قبل سنوات، جزء يسير ومكثف من حوار مطول يحتاج إلى كتاب ولا تتسع له صفحة جريدة، والآن، في النصف الثاني من أيار 2009 ، نواصل حواراً لم ينقطع حول عدد من القضايا الراهنة والساخنة:

• كيف ترى مشهد الانقسام الفلسطيني اليوم؟

- بداية دعنا نحدد طبيعة هذا الانقسام، أنا أرى أن الانقسام ليس بين تنظيمين وإلا كان معنى ذلك أن المسألة مجرد تنافس على المواقع والمراكز، الحالة الانقسامية الراهنة هي بين اسلوبين ومفهومين ورؤيتين وموقفين. هناك من يرى أن طبيعة التناقض التناحري مع العدو تفرض المقاومة كحل، في المقابل هناك من يرى أن التفاوض هو الحل ضمن الشرط الراهن، وأنا حين أحاور هؤلاء أسألهم: ماذا جنينا بالحوار؟ أليست حالتنا قبل أوسلو 1993 أفضل بكثير من حالتنا الآن. الحوار لا يستفيد منه إلا العدو الذي قد يقدم بعض التنازلات الشكلية الطفيفة كما حدث في أوسلو ثم لا يلبث أن يتراجع عنها، وها هي غزة المقاومة محاصرة أما الضفة التي قبلت القيادة فيها بمنطق الحوار فانظروا ما حدث لعرفات في المقاطعة ثم ها هي الضفة قد عادت محتلة من جديد بالجنود والمستوطنات والجدران العازلة والقدس تصادر وتهود! فعن أي حوار نتحدث ومع من؟ إن من لا زال يراهن على الحوار إنما يراهن على الوهم، ومثل هؤلاء من يراهن على الزمن وعلى ما يسمونه القنبلة الديموغرافية، ولكن الأرقام لا تقاتل، الهند الهائلة بمئات الملايين فيها احتلها 30 ألف جندي بريطاني، وها نحن تجاوزنا المئتي مليون عربي، وبليون ونصف البليون مسلم وانظروا إلى إسرائيل وفلسطين والقدس!

أنا أرى أن المقاومة هي الحل، رغم صعوبة المعركة ورغم التضحيات، وهذا يعنى بأن علينا أن لا نقيم بعد كل معركة حفلة لطم على الشهداء والضحايا، الاتحاد السوفييتي قدم 20 مليون شهيد ثمنا للانتصار على النازية، ولو كان بدأ بحساب الضحايا لكان لا زال محتلا، ربما إلى اليوم. في حرب 2006 بلبنان السيد حسن نصر الله وعد اللبنانيين بالنصر، ولم يعدهم بنصر من دون شهداء.. وكذلك الحال في غزة 2009. هي مقاومةُ عدوٍّ شرس صمدنا أمامه وبقينا واقفين على أقدامنا، ولذلك أقول بدون تردد إنّ النتيجة كانت انتصاراً، رغم الخسائر، والمعركة في الحالتين فُرضت علينا، ومَن اختار نهج المقاومة دفاعا عن الأرض والشرف والكرامة عليه أن يكون مستعداً لدفع التضحيات، هذا هو الدرس الأول في التاريخ.

• ماذا عن الخطوات العملية لمعالجة حالة الانقسام الفلسطيني وكيف ترى حال منظمة التحرير الفلسطينية التي دار كثير من اللغط حولها؟

- أنا أرى أن منظمة التحرير الفلسطينية هي التجربة الوحيدة التي برهنت على وحدة الشعب الفلسطيني ومثلت هذا الشعب، وهذا لا يعني عدم مراجعة التجربة ودراستها ومعالجة أخطائها، ولا بد الآن من إعادة بناء المنظمة بحيث يتم اشراك الشعب بكل قواه وفصائله وأحزابه وحتى الميثاق الوطني الذي يتباكون عليه هم من خرقه عام 1998 أمام كلينتون، ويمكن الآن معالجة بعض بنوده مع إعادة بناء المنظمة لتكون أكثر تعبيرا عن الواقع الفلسطيني الآن، وقد سبق وفعلنا ذلك حين التحقت الفصائل المسلحة بالمنظمة وجرى تعديل ميثاقها القومي إلى الميثاق الوطني.

• في الآليات العملية لبناء المنظمة كيف ترى الحل؟

- من الطبيعي أن يجري تمثيل الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده وبطريقة الانتخاب الديمقراطي إن أمكن رغم صعوبة ذلك في العديد من المناطق، ولكن لا بد من تمثيل الفصائل التسعة المسلحة ما دمنا نتحدث عن خيار المقاومة ، إلى جانب ممثلي القوى الاجتماعية والشخصيات الوطنية المستقلة المعروفة، وهذا ما سبق وجرى الحوار بل واتفاق حوله في مفاوضات القاهرة قبل سنوات بين فتح وحماس.

• ماذا عن الموقف من إيران؟

- حين كنا طلابا صغارا كان التلميذ المجتهد يتعرض للأذى من زملائه، لأنه يكشف عجزهم وتقصيرهم، وهذا ما نفعله مع شافيز وإيران، وحتى تركيا التي عاد البعض ليتحدث عن استبدادها العثماني، أما إيران فقد كانت أيام الشاه الفارسي صديق إسرائيل ومحتل الجزر الثلاث صديقا لهؤلاء الحكام العرب أما الآن فقد بات مشروعها النووي السلمي أخطر عليهم من القنابل النووية الإسرائيلية فماذا تقول لهؤلاء!

• دعنا نعود إلى البداية ماذا تمثل طبريا الآن بالنسبة لكم؟ وأين بات حلم العودة إليها؟

- أعرف أن العودة بعيدة، وأنا حين أقاتل دفاعا عن حق العودة فأنا لا أقاتل لعودتي أنا، بل أكاد أقول ليست حتى عودة أبنائي. بالنسبة لي في سن الثامنة والسبعين، أنا أحلم بعودة الأحفاد. وهذا ممكن، وسيكون النصر هو النتيجة الحتمية للصراع، ما دمنا نناضل وما دام لدينا قيادات كفؤة لا تساوم.. لذلك أؤمن بالعودة إلى طبريا وسيظل حلمي الدائم هو العودة إليها، وهذا يجعلني نظرياً ونفسيا في طبريا، رغم الاحتلال.

ناقد أردني

 

 

 

التعليقات (0)add
أضف تعليق
تصغير | تكبير

busy

انقر هنا لقراءة المزيد من الكاتب

مرحبا بك

احدث التعلقيات

ابحث عن صديق

أنا أبحث عن
العمر بين
إلى
المكان :
المدينة
الولاية
البلد

فيديو اليوم



المتواجدون الآن

6 مستخدم و 561 ضيف متواجدون

أحدث نشرات المجموعات

  • جماعة النقاد الجدد اصدقائى الكرام أرانا تقاعسنا كثيرا وأرجو ان نعود الى نشاطنا حتى نضمن لهذه الجماعة الاستمرار منتظر مق...
  • رؤى اهل الرواية - اقصد الروائيين - المظلومين في هذا الزمن دون غيرهم من المبدعين ففي خمسنات القرن الماض...
  • ابداع الشعر قمرى أبثه لحنى وإن شجى بى همى أقول له ماعدت بالهم أهتم

أحدث الصور

أحدث الاعضاء

أحدث الفيديو