الخميس, سبتمبر 09, 2010
   
حجم الخط

حوار مع الدكتور نصر أبو زيد:

قضيتي هي كيف نفهم الاسـلام في عالـــم متغير

وقضيتهم خلق ملحد لممارسـة السلطة السياسية

إغتيــالي وارد، والحامـي هو اللـــــــه

أجرى الحوار: نزيه أبو نضال

بعد سنوات من المنفى الاجباري في

هولندا قرر الدكتور نصر حامد أبو زيد، هو وزوجته الدكتورة ابتهال يونس، العودة الى مصر، وبالفعل قام بتجربة اولى بزيارة طويلة الى القاهرة.

 

هذه الواقعة اعادت الى الذاكرة أول لقاء لي مع د. أبو زيد حين التقينا، قبل سنوات،  في صنعاء، كضيفين على مؤتمر الكتاب اليمنيين، كانت قضية تطليقه من زوجته لا تزال طازجة، ولكن لم يكن الحكم قد صدر بعــد.. حرارة القضية فتحت باب الحديث والحوار واسعاً وعميقاً، ودون إعداد أو برمجة أو خطة للنشر.. ثم كان شاركنا في حوار مفتوح مع اذاعة صنعاء، على درجة كبيرة من الاهمية.. لاحقا استكملنا هذه الحوارات في عمان، ولكن ظروفا ما، لا داعي لذكرها حالت دون نشرها آنذاك. وصار من الواجب والمفيد نشرها.

 

***

إن الحوار مع د. أبو زيد، رغم أهمية القضايا الفكرية والفلسفية التي يطرحها، يظل مشدوداً إلي ما هو حي وحار وعملي، وهذا يعني ضرورة الاقتراب اكثر من رحلته الحياتية والفكرية التي أوصلته إلى محنة أشد خطراً من المحنة التي تعرض لها طه حسين عام 1926، أي قبل 67 سنة كاملة، من تفجير قضية ترقية أبو زيد إلى درجة الأستاذية عام 1993. وكأننا من خلال هذا الرقم/ الدلالة نُجيب على السؤال الأخطر، وهـــو:

لماذا لا تزال أمتنا تواصل هزائمها مند حزيران 67 وعلى امتداد الشهور والسنوات؟!

 

***

* لعل من المفيد قبل الشروع بالحوار، معرفة نصر أبو زيد، الانسان، والعوامل التي اسهمت في تكوينه، وبالتالي في خياراته الفكرية اللاحقة؟

- ولدت في قرية قحافة/ بندر طنطا، محافظة الغربية، في 10/7/1943.

ارتبطت نشأتي الأولى بجامع القرية، ففيـه كنت أقضي اكبر عدد من ساعات اليوم، فهو مكان العبادة وحضور الدروس الدينية، وكذلك مكان للمذاكرة.

حفظت القرآن صغيراً، وكنت أقوم بالآذان وبالصلاة إماماً، بل وصل بي الأمر إلى أن ألقي خطبة الجمعـة، حتى أن أهل قريتي كانوا ينادونني بالشيخ نصر.

 كانت حركة الأخوان المسلمين قوية في منتصف  الخمسينات  فوجدت نفسي شبلاً في شعبة قحافة، وقبل المواجهة مع عبد الناصر بأيام كنت قد أصبحت عضواً فاعتقلت عام 1954  باعتباري عضواً في الإخوان المسلميـــن".

 

* وماذا عن تأثير علاقتك بالإخوان على تربيتك الفكرية ؟

-       لقد ظللت متمسكاً بما هو عام وانساني في الدين، وأكثر الكتب التي تأثرت بها "الإسلام والعدالة الاجتماعية" لأنه يضع مصالح البشر في تفسير الإسلام" .

 

* ولكن هل وجدت تعارضاً بين تربيتك الدينية، وبين التوجيهات الاشتراكية للثورة المصرية بعد ذلـــــك؟

- بالرغم من إعجابي الشديد بكتاب سيد قطب " في ظلال القرآن" وكل كتبه الأخرى، فإنني كنت في نفس الوقت من أبناء الثورة المتحمسين جداً للثورة وللقرارات الاشتراكية، وسبب ذلك إنني كنت أرى أن التعارض بين الطريقين تعارض سياسي وليس تعارضاَ فكرياً، وبأن مبادئ الثورة الأساسية تعتمد على الإسلام".

* إن شاباً صغيرا مثلك يرى جماعته الإسلامية تسجن، وتطارد، ويعدم رمزها الأول سيد قطـب، كان من المرجح أن يتخندق متعصباً، ولكن يبدو ان إستنارتك العقلية المبكرة جعلتك ترى كل ما هو صائب لدى الخصم، ولعل هذه التجربة هي البرهان المبكر على إخلاصك الشديد لحرية التفكير؟

   - تبدو هنا مفارقة طريفة، فنتيجة لاستكمال عناصر التثقيف والوعي عبر تعدد القراءات فقد لاحظت  إنني أجد نفسي دائماً في  المعارضة، فحين كانت مصر اشتراكية، لم أكن أنا كذلك.. فقد كنت أقرب إلى الأخوان المسلمين، رغم إنني لم اكن ضد الاشتراكية. أما حين حدث الإنقلاب في السبعينات وصارت الاشتراكية في الهامش حدث العكس بالنسبة لي ".

 

·        وماذا عن رحلتك  العلمية؟  لعل هذه الرحلة تلقي مزيداً من الضوء على شخصية نصر أبو زيد؟

- حصلت على ليسانس لغة عربية/ جامعة القاهرة بتقدير ممتاز  1973. وماجستير من نفس الكلية بتقدير ممتاز  1976، ودكتوراه من نفس الكلية بتقدير مرتبة الشرف الأولى  1981. ثم عملت بالتدريس في جامعة القاهرة منذ العام 1973، كما قمت بالتدريس في الجامعة الأميركية في القاهـــــرة، وكذلك في الولايات المتحدة، جامعة بنسلفانيا من عام 1978 – 1980. الى جانب ذلك عملت كأستاذ زائر في اليابان، جامعة أوساكا من عام 1985 – 1989.

وكنت أعمل أستاذا  للدراسات الإسلامية والبلاغية في كلية الآداب جامعة القاهرة، قبل أن اضطر أنا وزوجتي الدكتورة اعتدال يونس لمغادرة مصر الى هولندا، بعد صدور القرار الحسبي بتفريقي، بتهمة الردة، ثم بتهديدي بالقتل، وباهدار دمي.

 

* الدكتور نصر أبو زيد مفكر إشكالي مثير للجدل وللجلبة، فما هو موضوع التفجير الذي أثار حساسية أصحاب الخطاب الديني؟

- لعل كتاب " نقد الخطاب الديني" هو موضوع التفجير، لأنه كشف القناع الديني الذي يخفي وراءه مصالح اقتصادية وسياسية لأصحاب هذا الخطاب.

ولقد بينت من خلال تحليل الخطاب الديني بأنه من خلال آلياته الفعلية لا يتناقض مع خطاب السلطة السياسية.

 

* ولكن التيار الديني المتطرف يبدو متناقضاً مع التيار الإسلامي المعتدل المتساوق مع السلطة السياسية كما هو الحال مثلاً مع مؤسسة الأزهر، فكيف ترى الأمــر؟

 

- بالنسبة لي، لا أعتقد بوجود خلاف جوهري بين التيار المعتدل وبين التيار المتطرف، فكلاهما يعتمد على ذات الآليات التي توحد فكرهم بالدين لإكساب هذا الفكر صفة القداسة.

إن الأمر لا يتوقف بالنسبة لهؤلاء عند القول " لا إجتهاد في موضع النص" باعتبار النص هو القرآن والسنة، بل انهم يحولون نصوص المجتهدين السابقين المنسجمين معهم إلى نصوص مقدسة، أي أن فهماً أو تفسيراً ما في فترة معينة يصبح مقدسا..ً مما يهدر البعد التاريخي للدين وللتفسير معاً، كما انه يغلب النص على حساب العقل، مما يتناقض مع الإسلام نفسه، لأن العقل هو أساسه المتين.

 

·        أين مكمن الخطورة في أن يحول التيار الديني خطابه الراهن إلى خطاب مقدس من خلال توحيده بالدين؟

 

- هذا السؤال يعيدنا إلى الخلافات التفسيرية التي ارتبطت بالقرآن قديماً وحديثاً، ووصلت إلى حد أن الفرق الدينية المتعصبة نفسها كفرت بعضها بعضاً. لقد رفع الأمويون المصاحف على أسنة السيوف في وجه علي بن أبي طالب فقال " إن القرآن بين دفتي المصحف لا ينطق، وانما ينطق به الرجال، فإن كان المصحف لا ينطق وحده وانما ينطق به الرجال فإن علينا نحن أن نبحث في عقل الرجل الذي ينطق المصحف ويفسره.

وبالنسبة لزمننا فقد عشت شخصياً الإسلام الاشتراكي في الستينات، كما عشت الإسلام كدين جهاد ضد الصهيونية في الستينات أيضاً. ثم عشت الإسلام دين (السلام) في السبعينات والإسلام دين الملكية الشخصية الآن.

أما على مستوى النصوص ففي حرب الخليج وجدنا الذين وقفوا مع العراق استندوا إلى الإسلام، والذين وقفوا ضده استندوا إلى الإسلام كذلك.. والذين  وافقوا على مجيء القوات الأميركية استندوا إلى بعض النصوص،  والذين وقفوا ضدها استندوا إلى نصوص أخرى.

وهذه الوقائع تطرح أسئلة لا يجوز تجاهلها، كما لا يجوز ترك هؤلاء يستخدمون الإسلام والدين كسلاح مقدس بأيديهم مهما كان موقفهم. ومكمن الخطورة هنا أن من يفسّر النصوص الدينية يطرح تفسيره باعتباره التفسير الذي يمتلك الحقيقة.

ومن هنا جاءت محاولة البحث عن "مفهوم النص" ذلك أن "مفهوم النص" يرتبط بالسياق وبالدلالات التاريخية وبأسباب التنزيل...الخ.. أي بقراءة النص بمواصفات الثقافة العربية آنذاك وهذا ليس إنكارا للأصل الإلهي، لأنه سبحانه وتعالى يفعل في التاريخ، وهذا الفعل لا بد أن يعتمد على السنن الالهيه في الواقع. وبهذا اكتسب الفعل الإلهي تاريخيته. ومن هنا فنحن لا نستطيع فهم دلالة النص إلا من خلال سياقه التاريخي، وتجد ان فهم هذه الدلالة مرهون باستمرار فهمنا لسياق النص في لحظته التاريخية.

 

* أنت تطرح قضايا أساسية وخطيرة، فهل حاورك أحد من أصحاب التيار الإسلامي؟

 

- للأسف لا...وقد كنت أتمنى ذلك، ولكنهم يفضلون كما يبدو طعني بإستغلال مواقع نفوذهم، كما فعلوا بالنسبة لموضوع ترقيتي لمنصب أستاذ، أو مهاجمتي في الجوامع كما فعل الشيخ عبد الصبور شاهين / أستاذ كلية العلوم وخطيب مسجد عمرو بن العاص الذي أعلن من هناك كفر أبو زيد وبأن " واحد مثلي لغته ركيكة يتطاول على الأئمة..إيه يا اخـه" وبأنني أزعم بوجود (قرآنان) واتهمني بالدفاع عن سلمان رشدي، وكنت قد ضربت به مثلاً على الكيفية التي يوجه بها الاتهام بلا بينه، لأن معظم الذين هاجموا رشدي وكتبوا ضده لم يقرأوا  "آيات شيطانية"، وفي نفس خطبة الجمعة التي نشرت في مجلة " القاهرة" عدد مايو 1993  قال عن فريدة النقاش "واحدة من الشيوعيات إياهم " .

وهذا المستوى من الحوار توج بدعوى رفعها المحامي محمد عبد الصمد حميدة للتفريق بيني وبين زوجتي، وحاولوا إدخال الأزهر كطرف بأخذ فتوى من الأزهر، وقد أصدرت لجنة العلماء في الأزهر فتوى بأنني علماني مرتد. وقد شهد محمد الغزالي في المحكمة في موضوع الردة وقال:

إن حكم المرتد هو القتل، وحين سئل: وإذا لم  تقم الدولة بالتنفيذ قال: يحق للمؤمنين التنفيذ، وبأن المنفذ لا حكم عليه.

ومن هنا تأتي خطورة القضية/ الدعوى التي رفعت..ذلك ان صدور حكم التفريق يعني أن الردة قضية ثابتة، وعلى الدولة أن تقوم بتنفيذ القتل أو تكون غير إسلامية.

ولهذا فنحن نقول إن هذه القضية أكبر وأخطر بكثير مما تبدو لأن مستقبل الدولة المصرية مرتبط بهــا.

 

* هـل تخشى المـــوت ؟

    - لقد وصلتني خطابات تهديد بالقتل، وهدا إحتمال غير مستبعد، ولكنني أقول دائماً " الحامي هو اللـــــــه" .

 

* هل ثمة اتفاق بينك وبين فرج فـوده الذي  اغتاله المتطرفون الإسلاميون ؟

- الفارق بيني وبين فوده إنه استثار بكتاباته الشباب والشيوخ، أما أنا فمعركتي مع أقطاب الخطاب الديني، وأنا لا أنخرط في مواقف سياسية ضد الإرهاب الديني.

 

* كيف يمكن التصدي للإرهاب الديني إذن ؟

    - إن طرح المسألة على هذا النحو فيه الكثير من التضليل، وهذا ما تفعله السلطات القائمة لاستبعاد المشكلة ككل.  إن السؤال يبدأ بـ: لماذا أصبح المتطرف متطرفـاً؟

إن أحداً لا يريد الاقتراب من هذا السؤال، ذلك أن التطرف ليس حكراً على التطرف الديني فقط، فهناك التطرف السياسي والاجتماعي والثقافي...الخ.. أي إن التطرف الديني هو جزء من منظومة إجتماعية كلية أفرزت هذا الخلل من التطرف العقلي، وعلاج ذلك لا بد أن يبدأ من التكوين الاجتماعي العام.. فنحن نعيش واقعاً متردياً، وعلينا أن نبحث عن أسباب ذلك تاريخياً واقتصادياً وسياسياً. وإذا كان هناك من يعتقد بأن العودة إلى الإسلام هو الحل فهذا تبسيط مخل للإشكاليات الجوهرية التي تعيق نهوضنا، ذلك أن أسباب التردي شديدة التعقيد والتركيب وتمس كل جوانب المجتمع. إن الواقـع متدهور ليس لأنه إسلامي، ولكن بما أن الواقع كذلك فأن فهمنا للإسلام يكون متردياً كذلك. ومن معالجة هذه الوقائع الاجتماعية التاريخية تبدأ معالجة التطرف وليس العكس.

 

* كيف يرى الدكتـور أبو زيد أولويات الصراع من أجل تغير هذا الواقع ؟

- إن جوهر الصراع الجاري هو صراع سياسي وليس صراعاً دينياً. وان طرحوا المسألة من زاويتها الدينية.

مثلاً على مستوى الخطاب الديني فإنهم يحاولون خلق ملحد لممارسة سلطتهم أو على طريق بناء السلطة الدينية التي تؤكد في النهاية سيطرة المصالح الاقتصادية السائدة.

إن المعركة ليست بين الإسلام وما عداه، بل هي قضية الوطن بإتجاه التحرر والعقلانية والعلمانية.

إنهم يرفعون شعار الدين من أجل ارتهان الدنيا، وبالتالي تصبح مهمتنا بإعطاء هؤلاء حريتهم السياسية من خلال الممارسة الحزبية العملية، مما يزيل عن هذه الدعاوى طابعها المقدس.

أما نحن فإن مهمتنا كمفكرين تتمحور حول كشف القناع الديني عن الخطاب الديني بأن نبيّن بعده الدنيوي والمصالح التي يعبر عنها.

* ماذا عن قضية العلمانية والإسلام ؟

- في الإسلام بعدان: فيزيك وميتافيـزيك، أي أن فيه الفهم والرغبة، العاطفة والعقل، بعد الفهم يندفع الإنسان  لقراءة الأمور كما هي، وهذه هـي العلمانية.

أما بعد الرغبة فهو رؤية الأشياء كما تريدها، وهذا هو الديـن. ولا بد بالتالي من فك الإرتباط بين هذين البعديــن.

------------

من مؤلفــــــــات د. نصر حامد ابو زيد:

1-   الاتجاه العقلي في التفسير.

2-   فلسفة التأويــــل.

3-   مفهوم النـــص.

4-   الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية.

5-   نقد الخطاب الديني.

6-   إشكاليات القراءة والتأويل.

 

التعليقات (1)add
0
فلسطين
أرسلت بواسطة مفيد دويكات _ نابلس , يوليو 06, 2010
رحم الله الاستاذ نصر ابو زيد واسكنه فسيح جناته
وللقكر العربي كل العزاء بفقدان هذا المفكر العملاق
كم نحن بحاجة الى امثاله ليزيلوا الغشاوة عن العيون
ويردوا للعقل مكانته وللتفكير الموضوعي وظيفته الباهرة


التبليغ عن إساءة
تصويت سلبي
تصويت إيجابي
أصوات: -1
أضف تعليق
تصغير | تكبير

busy

انقر هنا لقراءة المزيد من الكاتب

مرحبا بك

احدث التعلقيات

ابحث عن صديق

أنا أبحث عن
العمر بين
إلى
المكان :
المدينة
الولاية
البلد

فيديو اليوم



المتواجدون الآن

1 مستخدم و 529 ضيف متواجدون

أحدث نشرات المجموعات

  • زمن الرواية إلى روح والدي وأحتسبه عند الله من الشهداء كنت قلبي يا قلبي ففارقتني و هل يحي انسان بلا قلب وكن...
  • زمن الرواية يقول الكاتب الكبير أنيس منصور : في كتابه ( كل معاني الحب) عن الفيلسوف الوجودي (كيركجور) : [الاستاذ ا...

أحدث الصور

أحدث الاعضاء

أحدث الفيديو