الكاتب عبد المجيد العابد الأربعاء, 03 مارس 2010 12:23
قصة "البحار المتقاعد" لمحمد إبراهيم بوعلو مثالا
تعتبر القصة القصيرة شكلا حديثا من أشكال الخطاب السردي، عرفت تطورا ملحوظا لارتباطها بتعدد الوسائط،
وهي بوصفها نموذجا سرديا تستجيب لقواعد الخطاب السردي في شموليته، لها مقومات ومبادئ أساس، قوامها الوحدة، أي وحدة الموضوع والانطباع والحدث، ونظرا لقصر حجم هذا النوع فإن الاهتمام فيه يقتصر على حدث معين انطلاقا من موضوع واحد بإمكانه أن يخلق انطباعا مخصوصا في ذهن المتلقي، ثم التكثيف والتركيز في أفكار القصة بعيدا عن الإطناب والاستطراد، ومن رواد هذا الفن مثالا محمود تيمور وأحمد بوزفور ومحمد إبراهيم بوعلو التي تطفح نصوصه السردية بخبايا تناقضات المجتمع المغربي خصوصا. فما مضمون القصة ومغزاها؟ وما خصائصها الفنية؟
يتكون عنوان القصة، من الناحية التركيبية، من جملة بسيطة مبتدأها محذوف تقديره "هذا" والبحار خبر مرفوع والمتقاعد نعت للبحار تابع له، أما من الناحية الدلالية فنلاحظ أن الكاتب جمع بين الصياد والمتقاعد، فقد يدل العنوان على أن الصياد متقاعد عن العمل ويمارس الصيد هواية، أو أن الصياد البحار متقاعد فعلا عن الصيد، بالرغم من أن التقاعد أو القعود في المخيال المغربي يرمز إلى الوهن والكسل والموت السريري حقا، فما علاقة هذا اللبس بمقصدية الكاتب؟
يتضح انطلاقا من عتبات النص إذا أن محمد إبراهيم بوعلو سيتحدث عن بحار متقاعد بلغ من الكبر عتيا، وليس له من العمل إلا ذكرياته، وسينتهي به القدر أخيرا إلى أن هذا البحر لم ولن يحن عليه. فكيف تتجلى هذه الافتراضات في ثنايا مضامين النص؟
تتحدث قصة "البحار المتقاعد" عن جد وحفيد يذهبان معا يوميا إلى عرض البحر ينتظران قدوم سفينة لغرض ما، إن الأمر أشبه بحدث يومي (Fait divers). فهل حقق هذان العاملان موضوع القيمة؟
لقد تخلل المتن الحكائي للنص ثلاث متواليات سردية نظمت حبكته، تشير إليها مجموعة من المقاطع، فالمقطع الاستهلالي تمثل في المتوالية الأولى من"كان يأخذ حفيده...إلى ورجع إلى البيت" وتتعلق هذه الوضعية البدئية بسير يومي للجد مع الحفيد إلى الشاطئ، وهما يتطلعان إلى الأفق، أما المقطع الوسطي فتمثله المتوالية الثانية من "سأل الحفيد ...إلى هذا ما فكرت فيه أيضا، يتعلق هذا المقطع بحوار دار بين الأب وابنه حول لماذا يذهب الجد نحو الشاطئ دائما، أما المقطع النهائي فمثلته المتوالية الثالثة من"ظل الأب يفكر بجدية في الحوار ..إلى كم كان البحر قاسيا معه"، وترتبط هذه الوضعية النهائية بإفشاء الحفيد سر جده بعد الحوار الذي دار بينه وأبيه.
إن هذه الأحداث المتوالية رهينة بقوى فاعلة تحدثها أو تحدث لها، تختلف في أدوارها بحسب وظائفها العاملية في المسار السردي وفق النموذجين العامليين الآتيين اللذين يحددان بنية التفاعل بينها في تطور الأحداث الفرعية للقصة:
- النموذج العاملي الأول:
(البحر، الحفيد، الذاكرة) (الجد) (الخرف، الغروب)
- النموذج العاملي الثاني:
(الجد، البحر) (الحفيد) الأب، الذاكرة، الصغر
ينظر إلى هذين النموذجين العامليين باعتبارهما نسقا، حيث تجمع بين هذه العوامل علاقات ثابتة ثلاث: علاقة تواصل بين العامل المرسل والعامل المرسل إليه، وعلاقة رغبة بين العامل الذات والعامل الموضوع، وعلاقة صراع بين العامل المساعد والعامل المعاكس. إن تحريك هذين النموذجين العامليين يتم من خلال الانتقال من النسق إلى الإجراء عبر ترسيمة سردية من أربع مراحل:
¨ التحفيز: يتم في هذه المرحلة إقناع العامل الذات من قبل المرسل بالبحث عن موضوع القيمة، ففي النموذجين العامليين معا ينظر إلى العاملين المرسلين بوصفهما مقنعين معنويين، فالشوق محرك معنوي والفضول كذلك، لكن الجد عامل مرسل تنتفي فيه شروط التحريك والتحفيز والإقناع لغياب التواصل بينه والحفيد، وهذا ما سينعكس على البرنامج السردي للعامل الذات استقبالا.
¨ القدرة: تتعلق القدرة بالشروط الضرورية التي يجب على العامل الذات أن يتوفر عليها ليكون مؤهلا للبحث عن موضوع القيمة، ففي النموذج العاملي الأول الجد مؤهل غير أنه ينقصه التنظيم في الذاكرة، أما النموذج العاملي الثاني فالحفيد غير مؤهل لأن علاقته بالمرسل ليس فيها تواصل وأهليته مرتبطة بأهلية الجد. وإذا كان العاملان معا غير مؤهلين فإن برنامجيهما السرديين سيكونان، لا محالة، فاشلين بالضرورة.
¨ الإنجاز: ترصد هذه المرحلة الأساس في الترسيمة السردية الحالات والتحولات في علاقة العامل الذات بموضوع القيمة، ففي الحالة البدئية أو الوضعية الأولية العاملان معا منفصلان عن موضوعي القيمة: ع ذ1Uع م1، وع ذ2Uع م2، ثم في الحالة الوسيطة أو العقدة نجد أن العاملين معا نظرا لنقصهما في الأهلية جعل أمر بحثهما عن موضوع القيمة غير ذي جدوى، فلم ترس السفينة في الشاطئ بعد طول انتظار، مما يجعل البرنامجين السرديين معا فاشلين لزوما، وظلت حالة الانفصال عن موضوع القيمة قائمة، ويمكن اختزال هذا التحول في العلاقة الفاشل لكلي العاملين وفق الصياغة الصورية الآتية:
ع ذ1Uع م1 ←ع ذ1Uع م1، ع ذ2Uع م2← ع ذ2Uع م2.
¨ الجزاء: يعد المرحلة الأخيرة في الخطاطة السردية، إنه الحكم على المسار السردي بأكمله، فالبرنامجان السرديان معا فاشلان لأن العاملين معا غير مؤهلين، وهو شرط كاف لهذا الفشل.
وقد هيمنت الرؤية السردية من خلف على النص، وهي رؤية كان فيها السارد أكثر معرفة بشخصياته يستطيع سبر أغوارها والتعرف إلى خلجاتها، تشير إليها الإشاريات اللغوية الآتية على سبيل المثال: "كل منهما يفكر في شيء"، يظهر أن الحفيد يتضايق.."، "وانتقل الأب يفكر بجدية في الحوار". تخدم هذه الرؤية غرض النص في الكشف عن تناقضات المجتمع المغربي الذي يرصده، أما من حيث التنظيم الزمكاني في النص الذي يسيج الأحداث ويؤطرها، فلا نجد له مشيرات لغوية كثيرة لأن القصة عبارة عن حدث يومي يبدأ كل مساء في عرض البحر إلى جانب البيت الذي دار فيه الحوار بين الأب والابن، وفي ذلك إشارة من الكاتب إلى أن البعد الزمني غير مطرح في الذهنية المغربية.
وقد تعددت المكونات القصصية في النص مما جعله غنيا، إن السرد أساس العمل القصصي، وهو أن يتكفل السارد بنقل الأحداث مباشرة أو بطريقة غير مباشرة، فالسارد في قصة "البحار المتقاعد" غير مشارك في الأحداث ويرويها بضمير الغائب كما توضحه المتوالية الأولى من النص وبداية المتوالية الثالثة. أما الوصف فيعد تكسيرا لرتابة السرد وإغناء وتمطيطا له أيضا، كما أنه يريح السارد من عبء الحكي، ويكفي القارئ عناء تتبع الأحداث، وهو إما وصف خارجي أم داخلي، اقتصرت فيه القصة على وصف المظاهر النفسية الداخلية وحسب: "ولم أنت حزين هكذا؟"، "إن جدي يصيبه حزن شديد كل مساء". أما الحوار فيقوم أيضا بتكسير رتابة السرد ورسم الشخصيات ثم الإيهام بالواقعية، وترك الشخصيات تعبر عن نفسها بأسلوبها الخاص، يؤشر عليه الحوار الذي دار بين الأب والابن لمعرفة سبب ذهاب الجد إلى الشاطئ. لقد تضافرت هذه المكونات السردية الثلاث في رسم معالم القصة إلى حد التداخل فيما بينها.
وقد هيمنت، من الناحية الأسلوبية، اللغة العربية الفصحى على النص، إذ إن الكاتب عمد إلى طبقة لغوية واحدة، ولم يترك لشخصياته فرصة التعبير عن نفسها بأسلوبها الخاص، بالرغم من أن الحوار هيمن على القصة، فلم يلتفت إلى التهجين أو التنضيد أو غيرهما من الأساليب التي تعدد من الطبقات اللغوية في النصوص الحكائية عموما، كما يغلب على النص الاستفهام لأن الحوار هو المسيطر، ثم نقط الحذف ما دام الكاتب يريد إشراك القارئ المتلقي في تنظيم الأحداث وإغنائها وتحديد أبعادها، وتراه يترك غالبا تدخل الشخصيات بين مزدوجتين.
قد حاول محمد إبراهيم بوعلو من خلال هذه القصة تصوير معاناة بحار عجوز متقاعد لا زال يجتر ذكريات الماضي، ويحن إلى البحر الذي قضى به سنوات عديدة من عمره جعلته يداوم على زيارته كل مساء مصحوبا بحفيده الذي يلعب معه لعبة الانتظار الذي يغذي، ولو قليلا، شوقه وحنينه إلى ركوب الموج. إن الكاتب يريد إطلاعنا على نموذج مغربي يمتح من معين طبقات مسحوقة لم تعد تعش إلا على ذكرياتها، لما تعانيه من تهميش وإقصاء، كما يتحدث عن صراع الأجيال وعدم التواصل بينها، وهذا ما يؤرق التنشئة الاجتماعية المغربية عموما ويقض مضجع كل متبصر حصيف.
أرسلت بواسطة زهدي الزمر , مارس 05, 2010
لا شك ان من يقرأ تحليلك ونقدك لقصة البحار المتقاعد يشهد ببراعتك
في النقد ، واستخدامك اسلوباً في التتابع لملاحقة الحدث لاستكشافه وتحليله وتقديم محتوى السرد بخلاصة منهجية وموضوعية تؤكد ان لك باعاً طويلاً في النقد الادبي ومتخصص فيه ، هذا الامر جعلني مشدوداً لقراءة التحليل اكثر من مرة .
ننتظر المزيد من الابداع ولك مودتي واحنرامي
زهدي الزمر
تعقيبك على نقدي كان رائعا جدا وأقدره عاليا
للمعلق أو للكاتب كما للناقد عليه اختيار الكلمات بحذر شديد لأن نفسية الأديب و المفكر حساسة جداوخاصة الناقد حساسة الى ابعد ما تتصور
والا لما كان اسمه شاعرا او كاتبا ( اديبا ) فمثلا استعمالك لكلمة ( أنبهك ) أنت لم تقصد بها الا ( لفت النظر ) وانا واثة من ذلك
احدى ركائز المفكر الناجح هي اختيار الكلمة المناسبة او الانسب
أنا كناقدة اردنية أحييك واشد على يدك آملة أن نقرأ لك المزيد
ملاحظة يا اخي عبد المجيد : لا اقصد بتعليقي هذا التجريح ابدالأن مستقبلا مزدهرا ينتظرك
الناقدة
flame
والتي استرعت الانتباه من خلال العنوان
فالعنوان كان مخاتلا من حيث "عموميته"
ولو حُدد منذ البدء بهذه القصة الرائعة
أو ألحقت به.
بناء المعنى في القصة القصيرة
قصة البحار المتقاعد نموذجا.
عزيزي الفاضل كان تحليلك رائعا
وأنا أشد على يدك في أن تعمم هذه
القراءة على قصص قصيرة من الوطن على
العربي. وان تسهم في رفد الحركة النقدية
من خلال البحث في نظرية المعنى أو بناء المعنى
لدى القاص... أو بناء المعنى الكلي أو الجزئي في قصص ...
ولكن من أي منظور ستتناول هذا (المعنى) أو ذاك...
هل من المنظور العربي أم العربي / الغربي... أعني
الدراسات التي اهتمت بنظرية المعنى.
وثق تماما أن دراسة المعنى بحاجة إلى من هو مثلك جاد
لأن الرؤى النقدية التي اهتمت بالمعنى (سيما المعنى الشعري)
كثيرة لدى النقاد العرب ... وهي أساس القضية النقدية لدى
العرب... وفي ذلك كتب كثيرة تناولت المعنى وعلاقته باللفظ.
وللحديث بقية..
مزيدا من التألق والابداع.
وموفق بإذن الله .
وأعتذر على الاطالة ...
أرق التحاياوأعذب الود.
صالح السهيمي
جدة
هناك ندوة رائعة أقيمت في تونس عام 1991
وهي مطبوعة في جامعة تونس
كلية الآداب بمنوبة
سلسلة الندوات.
بعنوان :
صناعة المعنى وتأويل النص
هذه الندوة أسهمت كثيرا في مقاربة هذه القضية
كما أن كتاب أحمد الوردني "اللفظ والمعنى"
وكتاب طارق النعمان "اللفظ والمعنى"
قد أسهما في ترسيخ المفاهيم التي تناولت
هذه النظرية.
وأخيرا تقبل مروري مرة أخرى.
أعذب الود





قد تكون خطوة الشرح لا بدّ منها، ويجب أن نشجع عليها، ولكن عذرا انها مملة وستقود القارىء الى مزيد من الملل كما لايمكن تطبيقها عمليا على كل القصص القصيرة .
شكرا مرّة أخرى، وأتمنى أن أقرأ لك المزيد يا عبد المجيد ،
فكلماتك غنية عن التعريف
الناقدة
flame