الكاتب نبيل عودة الأحد, 14 مارس 2010 16:48
أعترف ان بعض ما قرأته مما يسمى قصص قصيرة جميل .. ولكنه جمال سريع العبور والتلاشي ، لحظة بعد قراءة النص .وبعض النصوص مجرد ثرثرة بلا معنى ولا فكرة ولا رؤية ،
ولو اراد كاتب متمرس مثلي لأنتج مجموعة قصصية من القصيرة جدا كل يوم ، وربما بمضمون وروح دعابة ، وفكرة فلسفية ، ونص شاعري ، أجمل من كل ما قرأت من قصص قصيرة جدا.
القصةالقصيرة جدا تفتقد للمبنى القصصي بحكم مساحتها ، وغياب عناصر هامة مثل الخطاب التاريخي والخطاب الفني ، وبناء الحدث ، وبناء سيكولوجية الحدث وأبطاله، أي بمفهوم أوضح دراسة العوامل النفسية للفكرة الدرامية ولشكل تصرف الأبطال . ربما ينفع نص ما يسمى قصة قصيرة جدا ليكون حالة معينة داخل قصة.
أعرف ان موقفيسيثير رفضا واسعا ، لأن الكثيرين من الذين فشلوا في صياغة قصة قصيرة يبحثون عن تغطية ثقافية .. ولكني لم أتعود ان ابقي رأيي طي الكتمان .
سمك
سألته وهي تهاتفه : أي الطعام أحب اليك ؟
أجابها بلا تردد : سمك .. !
ولم تكن تحب السمك ...
والفت نفسها بعد ايام تكثر من شراء السمك للعائلة ،تقدمه مقليا ومشويا وتاكله بشهية ..
وتساءلت العائلة: ما سر شراء السمك بهذاالقدر ... ترى هل رخص السمك ؟!
****
سيقولون لي عصر السرعة .. هذه حجة تولد ميتة. اذن تعالوا نجعل الرياضيات والفيزياء والكيمياء والعلاجالطبي يخضع لفكرة السريع جدا، أو القصير جدا ..؟
فكرة القصير وارتباطها بعالمنا السريع ، هيتدمير للأدب .
ربما تكون قصة قصيرة لا تتعدى الخمسين كلمة. أو أقل ، ولكنها ليستقاعدة اطلاقا. وتحويلها الى قاعدة يبنى عليها تحمل في داخلها ميكروبات قاتلة للأدب .
الأدب متعة نفسية وجمالية وفلسفية وأخلاقية وتطويرية ونقدية .. ورحلة في عالمالانسان والطبيعة والجماليات ، لا يمكن اختصاره الى قصة قصيرة جدا ، تكتب خلال دقيقتين .
أضف الى رجائك ورقةياناصيب
كان يصلي لربه ان ينقذه من تدهور حالته الاقتصادية ، بأن يجعله يفوزبمليون دولار بسحب اليانصيب . وتمضي الأيام والأسابيع ، والله لا يستمع لندائه. أخيرا وقف يصيح بأعلى صوته: الم تقل على لسان ابنك اقرعوا يفتح لكم ؟ ابحثوا تجدوا ؟ اكاد اموتجوعا وانت لا تسجيب لندائي بأن أفوز ياليانصيب!"
وجاءه صوت مجلجل من السماء: " عليك ان تقوم بخطوة كي تساعدني على مساعدتك ، اشتر اولا ورقة يانصيب .
مثل هذه القصص لا تحتاج الى الدخول في مشكلة التكنيك القصصي ، وضبطالخطابين الأدبي الفني من جهة والتاريخي الأيديولوجي من الجهة الأخرى ، لصياغة قصة فنية متوازنة ، وانتاج نص يشد القارئ ويثير دهشته.. مثل هذه "القصيرة جدا " لا تحتاج الى التفكير بخلق عالم البطل وشخصيته ،ودراما واقعه ، مثل هذه القصة لا تحتاج الى خلق أحداث حياتية ونص متماسك يأسر بدهشته القارئ ، وتكريس تفكير وجهود فنية لجعل الفكرة أكثر كثافة في ذهن القارئ ، وأكثر عمقا اجتماعيا ،وأبعد في صياغتها من مجرد خبر كتب بروح الدعابة السوداء او البيضاء.
لاحظت انبعض الزملاء يعلقون على القصص القصيرة جدا بكلمة مكررة " كثافة " هل حقا يدركونمفهوم التكثيف في الأدب او في النص اللغوي او في الطرح الفكري؟ رجاء لا تدمروا هذا التعبير باستعماله في غير مكانه ، يكفينا ان مفهوم الحداثة صار يطبق على كل كتابة مفككة وهابطة لغويا وفنيا .. وبجهل كامل لمعاني التعابير والاصطلاحات ومضامينها ومصادرها الفكرية .
هذا رأي .. لست متمسكا ومتعصبا له ، او لأي رأي آخر ، لأن عالمنا متحرك متغيرمتطور ، عاصف بأفكاره ومعاييره ، ممتد بعمقه واتساعه بكل الاتجاهات ، وفقط الملقّنون( بفتح القاف ) يتمسكون برأي ثابت لا يتغير..
هذه هي قناعتي ، حتى هذه اللحظة على الأقل.. !!
تحية طيبة وبعد، لو تصفحت قصصك المنشورة في مواقع عديدة ستجد اسمي من بين المتداخلين والمسجلين إعجابهم بنتاجك القصصي الذي يتميز بالتشويق كما يتميز بطرح المشكلات الإجتماعية، دعنا نسميه هنا ( القصة السردية التي تشد القارئ بسهولتها الممتنعة) وقد قلت هذا كي أظهر لك انني أكن لقلمك احتراماً خاصاً ككاتب قصة قصيرة .
لن أتحدث هنا عن القصة القصيرة العربية، والتي هي وبشكلها الحالي تعتبر حديثة جداً( بشكلها الحالي ) دون التطرق لأشكالها الأخرى الموغلة في القدم منذ الحكاية البسيطة المحكية، وورودها في القرآن الكريم ، وتطورها ...ثم ومع كل هذا، فما زالت القصة العربية ( تتعثر في خطواتها وما زالت تحتاج إلى الكثير ) ، ما يهمني هنا أن القصة القصيرة
كانت قبل عقود محل استهزاء من جيل سابق لم يعرفها وكنتم من المدافعين عنها، وها أنتم تقفون اليوم في وجه القصة القصيرة جداً قبل أن تثبتوا أقدام القصة القصيرة ، ولا مشكلة بذلك بالطبع، فحق الرأي مكفول للجميع لكنني لاحظت وزملائي هنا أن طريقة النقد لم تتصف بالموضوعية،إذ أنها بنت هيكلها على أساس غير ثابت ، وقصدت هنا أن القصص القصيرة جداً التي أوردتها كمثال على أفضل ما قرأته من هذا النوع( وأنت الكاتب والناقد والإعلامي) لم تكن تحقق أدنى شروط هذا النوع من الجودة، وأشعر بدهشة حقيقية إذ أنك لم تقرأ للأستاذ غريب العسقلاني هذا الكاتب الفذ في هذا النوع وهو بالمناسبة : قد جرى انتخابه(نائبا للأمين العام للإتحاد العام للكتاب والادباء الفلسطينيين) ،لو أحضرت للقارئ نصوصاً من افضل ما كتب في هذا النوع وهو حسب ذائقتي الخاصة( الأستاذ غريب العسقلاني) ثم قمت بتقديم نقدك على هذا الأساس لاقتنعت بوجهة نظرك لكن على ما يبدو أنك لم تقرأ للنخبة في هذا المجال وأستطيع أن أعطيك عشرات الأسماء التي أبدعت بهذا المجال كذلك.
يتبع
..........................................................
تتخذ اللغة في القصة القصيرة جدا شكلا ليس كشكلها المعتاد في الأدب القصصي، ففي القصة القصيرة والراوية يسعى الكاتب إلى إدهاش القارئ بتميز سرده أو تماسك حبكته، أما هذا النوع من الأدب القصصي فهو مختلف في كل شيء، حتى في غايته، فالقصة القصيرة جدا لا ترمي إلى عرض مقطع عرضي في لحظة من الزمن ووضعه تحت مجهر السرد كما هو الحال في القصة القصيرة، بل تسعى إلى توليد الدهشة في ذهن القارئ بأسرع ما يمكن اعتمادا على تكنيكات لغوية خاصة.
تفرض المساحة الصغيرة المتاحة للقاص لغة خاصة تمتاز بالكثافة العالية، فضلا عن تسارعها المحموم باتجاه النهاية، فيبدو القاص كطير محبوس في قفص، لا يلبث أن يجد منفذا حتى ينطلق منه بسرعة السهم.
وتعني الكثافة قي لغة القصة القصيرة جدا شحن الكلمات بأكثر ما يمكن من المعاني، والتعبير عن أكثر ما يمكن من (الأفعال) بأقل ما يمكن من المفردات. وهذا لا يتأتى إلا بلغة الشعر التي اكتسبت مع توالي الخبرة الإنسانية عليها القدرة على التكثيف الهائل للمعاني.
ولننظر مليا في بعض من النماذج لنحدد سمات تلك اللغة وتأشير ملامح شعريتها.
إن أهم أركان السرد أن يعمد القاص إلى رسم صور شخصياته وهي (تفعل)، لا أن يخبرنا هو عن (أفعالها)، ومن هنا تكون الأفعال عنصرا غاية في الأهمية في لغة القصة القصيرة جدا، فكثير من الأفعال يعني كثيرا من المعاني وكثيرا من الأحداث. هذه قصة (غصة) لـ (السعدية باحدة):
مر من أمامها ،نظر في عينيها…
فنظرت في عينيه
مرت من أمامه،ابتسمت له …
فابتسم لها
لم يعد يمر من أمامها..
تحسست بطنها بيدها….
فأيقنت أنه…
وقع امتداده….
ورحل
يمكن أن نرصد غلبة الأفعال على الأسماء في هذا النص، ففي الوقت الذي لا يحتوي على أكثر من ثمانية أسماء – مع استبعاد الضمائر المتصلة من العدد لأنها لا تشكل قيمة حقيقية في الطول- يحوي النص اثنا عشر فعلا.
هذه صفة عامة في القصة القصيرة جدا، حشد الأفعال وتزاحمها، بل سيادة الجمل الفعلية الضاجّة بالحركة.
ولغة (الإشارة) تكنيك آخر من تكنيكات القصة القصيرة جدا يقرب لغتها من لغة الشعر، ففي النص السابق ذاته نلاحظ الكثافة المعنوية الهائلة التي حملتها العبارة (تحسست بطنها بيدها)، فهذه الحركة اختزلت الكثير من الكلام والكثير من الأفعال، وأغنت الكاتب عن العودة إلى أحداث ماضية، عندما أوحت هذه العبارة بها إلى القارئ،وفي هذه القصة لـ(هدى فائق) نجد ذات التكنيك:
تقلب صفحات الاجندة ..تبحث عنه ..يقع بصرها على التاريخ ..تهم كتابة تعليق احتفالا بالذكرى الثانية ..تمنعها دمعة غافلتها وسقطت ..لتمحو شيئا ظل عالقا بالذاكرة .
صورة الدمعة الساقطة هنا هي كل القصة فهي تحكي قصة حب عجز عن الاستمرار ولم يعد سوى ألم يعلق بالذاكرة.
ضرورة التكثيف في لغة القصة القصيرة جدا كثيرا ما تغري كتابها باختيار موضوع شعري لقصصهم، هذه مثلا قصة (موجة) للقاص محمود أبو أسعد:
تساقط الظلام وانساب كظل امرأة، عندما أرخت وشاح الريح فوق شعرها ، تسابق ظلالها قوافل الأشرعة ، انحسرت ما بين خصر وثنايا موجة مغرورة ، لتكتب في الشاطيء قصائد وأشعار غزل.
نحن هنا أمام لغة شعرية بالكامل بما تحوي من انزياحات وتشبيهات، فضلا عن الموضوع الشعري ذاته المتمثل في تشخيص موجة، ومثل هذا النوع من القصص تأخذ فيه الانزياحات الأهمية الأولى قبل الأفعال، فهذه القصة – مثلا- قائمة على اسناد الفعل إلى موجة وسط البحر(بمعنى انزياحي)، وهناك (وشاح الريح) و(شعر الموجة) و(قوافل لأشرعة) و(موجة مغرورة)……
يرى بعض الدارسين أن ((معظم الفاشلين في ميداني القصة والشعر قد وجدوا في الـ (ق. ق. جداً) ملاذاً آمناً لأن هناك كتاباً يمارسونها هرباً من كتابة القصة العادية متوهمين فيها السهولة ما أدى إلى طوفان من القصص القصيرة جداً-انظر الرابط هنا))، وفي هذا الرأي وهم كبير، فهو يشبه الرأي القائل أن قصيدة النثر أدت إلى تسهيل ركوب مركب الشعر مما جعل عدد من يدعون أنهم شعراء لا يعد ولا يحصى، فمثل هذه الآراء تغفل العامل الجمالي الذي يستشعره من يتلقون النص الأدب وتكون لهم الكلمة الفصل في الجودة والرداءة.
إننا نرى – بالضد مما تقدم- أن كاتب القصة القصيرة جدا شاعر بالضرورة لأن اللغة الشعرية واحدة من أهم مستلزمات هذا الفن.
.........................................................
يتبع
بعد أن وضع لنا د- ثائر هذه الأسس دعنا نقيم معاً تلك القصص التي أوردتها لنا في مقالتك كأفضل ما قرأت ! ثم دعنا ندخل لتقييم السطور التي كتبتها ( استسهالاً لهذا الفن ) !! وسنرى جميعاً هذا الفرق الشاسع بين مفهوم ق.ق .ج وبين هذه الأمثلة التي لا تحقق أي شرط من شروطها هنا، فهي لم تكتب بلغة شاعرية كما أن قفلتها لم تحقق لنا أي نوع من الدهشة ، مع ملاحظة أن قصة ورقة اليانصيب أعرفها منذ طفولتي الأولى كنوع من الدعابة ظهرت مع بداية ظهور ورقة اليانصيب.
.........
أستاذنا الفاضل :
لو كانت مقالتك تتناول موضوعاً هاماً آخر وهو ( استسهال البعض لكتابة ق. ق .ج أو محاولة وضعها بصورة غير لائقة أو عدم وجود الضوابط الكافية التي تردع من يحاول تشويه هذا النوع ) لكنت معك فما أكثر الغث الذي نقرأه، لكنك قمت بتعميم وجهة نظرك الخاصة من خلال دراسة نصوص لا تمت لهذا الفن بأي صلة ، وهو ما اقتضى مني التوضيح بخصوصه.
مع تقديري واحترامي العميقين
(دخل بيته ووجد زوجته وافضل اصدقائه عاريان في السرير. قبل ان يفتح فمه قفز صديقه من السرير قائلا : " قبل ان تقول شيئا أخي ، فكر جيدا ، من تصدق ، صديقك ام عينيك ؟ ")
فهنا اذا حتى اردنا الاحتفاظ بالقصة فعلينا ان نحذف كلمات وضعت زائدة بداخلها مثل (دخل بيته - افضل - عاريان - قبل ان يفتح فمه - من السرير -قائلا "كل جملة القول " - من تصدق ) يمكن ان اقدم اسباب لكل هذا الحذف من الكلمات .. لكن مثلا كلمة دخل بيته
لا تقدم ولا تأخر فى الحدث فحدث الخيانة يمكن ان يتم فى اى مكان فى الشارع مثلا.... ومن تصدق مثلا جاءت فى العنوان والتكرار فى القصة القصيرة جدا غير مفيد ثم انها سوف تفهم من السؤال لتصير القصة هكذا
من تصدق
(وجد زوجته وصديقه في السرير.قفز صديقه قائلا : فكر جيدا "صديقك ام عينيك ؟ ")
ورغم اننا قمنا بتكثيف اللغة لكننا مازلنا لم نثر دهشة القارئ ولم نحمل اللغة بمعانى مختلفة تثيرها النهاية لذلك انا فكرت لوانى كاتب القصة القصيرة جدا ومعى هذه الفكرة كيف اصيغها .. وهذه كانت النتيجة
من تصدق
العاريان فى السرير زوجته وصديقه
خيره صديقه بين أمرين
"أنا أم عينيك"
تحياتى





سلام..
" ولو اراد كاتب متمرس مثلي لأنتج مجموعة قصصية من القصيرة جدا كل يوم ، وربما بمضمون وروح دعابة ، وفكرة فلسفية ، ونص شاعري ، أجمل من كل ما قرأت من قصص قصيرة جدا " .
هذا النص أعلاه هو جزء من مقدمة مقالتك " ملاحظات ثقافية حول القصة الفصيرة جدا ".. أستاذ نبيل، لماذا هذا التعالي من كاتب متمرس مثلك؟..، لماذا هذا الإستهزاء وتلك السخرية؟، ألم يكن من الأجدى والأنفع لنا أن نستفيد من تمرسك وخبرتك ببعض الملاحظات أو التعليقات أو المداخلات؟..، بدل أن تتفضل علينا بما جاد به يراعك.
أستاذ نبيل، منذ أن إنتسبت أنا إلى هذا الموقع الكريم لم أقرأ لك مداخلة أو تعليق أو إنتقاد على قصة أو على قصيدة، حتى إنك أستاذي الكريم لم تتواضع وتتفضل بالرد أو التعليق على تلك المداخلات التي سجلت على صفحات مقالاتك أو قصصك التي تفضلت بنشرها على صفحات هذا الموقع. وفجأة فاض بك الكيل وإنفجر بركان غيرتك على ثقافة القصة القصيرة بتلك الحمم الساخرة.. أهذا هو مفهوم النقد البناء عند الأساتذة المتمرسين، أهذه هي يد العون التي يجب أن نمدها إلى من زلت قدمه وهو يشق طريقة في عالم الحرف والكلمة شعرا كان أم نثرا... لا أظن ذلك.. ودمتم بألف خير..
مع خالص تحياتي