الكاتب عبدالله القاسمي الثلاثاء, 16 مارس 2010 04:37
ضعي رأسك فوق صدري الحجري .. اغتسلي بالوجع البربري
طوفي بجوارحي كحمامة يطاردها قناص جشع
أيقظي أجدادي الذين شيدوا قصور التاريخ بداخلي
أيقظي العصافير القتيلة
الكون أصفر والاشجار عارية بداخلي
الخمرة التي شربتها مع الاصدقاء ذات وجع لم أثمل بها
حيرتي التي أرصفها على المنضدة استحالت تطاردني كالذئاب الجائعة
باحثا في جسدي عن حكمة الأجداد وعن الاسرار الفولاذية للصحراء
باحثا في " المعلقات "
في " المفضليات "
في "الاصمعيات "
في " الاغاني "
في " مصارع العشاق "
في " الحماسة "
في " العمدة "
في " اللسان"
عن أسماء ألبسها ومدينة يتسكع النور في شوارعها
باحثا عن كلمة زرع المتنبي بها النرجس عندما نظر في المرآة
لن اشطب القروح الدامية في وجه امرؤ القيس
سأنام في الركن النير من القفص الصدري
كم كان الشتاء باردا في "الامتاع والمؤانسة " .. شعرت بطعم الملوحة في حلق "ابي حيان" .. غربته .. " اشاراته الاهية " المبتورة .. شهوته المحنطة كمومياء
الهواء القليل الذي تنفسه بنهم الجياع
شهوته للتفاح ربما .. للحاف أنثى دافئا يغطيه حين ينام
أشعر كم غيمة بكت في تخوم روحه وكم نجمة حزينة اعتصمت بوحدته
أشعر بكل هذا الوجع الممتد في جسدي كمجرّة كلسية
أنظر في المراة .. أرى الغبار الثقيل والطيور المكسورة الأجنحة .. أرى الجحيم الابدي والمدى الشائك بهواجسه القاتلة
أشعر بخالد بن يزيد يطلب رغيفا من عاشق ساق فتاته للذبح بخنجر من شعره الندي
أشعر بابن المقفع يسحب للجلد كعصفور يتيم .. أسمع ضحكته حين هوى عليه الجلاد بوهج النار
أشعر بالمعري يعابث النور بالشك فيحصد الاشواك ويبايع بالزندقة
أشعر بكل هذا الوجع الممتد في جسدي وبتلك الذئاب المتربصة للقتل دائما
كم حملت بالمطر لأعاقر الخمرة العتيقة وأجوب موانئ الشعر الصافية
كم حلمت بالحب وبباقات الياسمين في راحتي
حين مددت يدي " لمصارع العشاق " لأحصد السنابل الذهبية وأتعلم زراعة الورد
خرجت بين الصفحات خيول وحشية تحمحم بالوجع الشهي اللذيذ
رأيت قيسا يفترش ثوب الجنون العبقري ووردته الحمراء تذيل كل يوم
رأيت قيسا كغزال شريد يطارد طيف ليلى .. كغمامة قتلتها شمس الصحراء
رأيت جميلا كالغراب ينبش قبرين ليواري سوءة لم يرتكبها ..
رايت جميلا كفراشة ذهبية تحضن النار وتصرخ :
( وجاور اذا ما مت بيني وبينها فيا حبذا موتي ان جاورت قبري)
رأيت كثيرا يتسكع بين التلال الشوكية كعاهرة في شوارعنا المعاصرة
رأيت عزة هادئة بين المروج مع غيره كحمامة بيضاء
رأيت كل هذا الوجع ممتدا في جسدي كغابة من رصاص
كم كان حلم الأجداد مؤلما وبسيطا..
أرادوا ان تأوي اليهم العصافير في الليل .. وأن تحط على اكتفهم حمامات
رأيت كل هذا الوجع الممتد في جسدي .. كيف لي أن أخلع أيامي لأكون بين الرياح صعلوكا
قلبي فراشة ذهبية تحوم كئيبة منذ قرون في حقول البنفسج البري
كيف لي بعد هذا الوجع الممتد في جسدي ان أحوّل مدائن الحزن حقولا للضياء ...
عبدالله القاسمي




