الكاتب زهدي حسني الزمر السبت, 30 يناير 2010 15:01
السماء فسيحة ... والدنيا واسعة، لكنها تكبر وتتسع بعيون الأطفال البريئة، يتجمع في ساحة المدرسة الخارجية التلاميذ الصغار فتيان وفتيات، في حلقات صغيرة هنا وهناك مثل أسراب الحمام في الساحات العامة،
يلعبون ويتحركون ليس كمثلهم من الأطفال الآخرين، بعضهم يجلس على كرسي له عجلات، وأخر يتأبط عكازين وثالث تدعم ساقيه أسياخ الألمنيوم وأقشطه جلدية، وغيره له طرف اصطناعي، ومنهم أذنيه محشوتين بسماعات اليكترونية، أما " آية " مختلفة عنهم... لا تفارق البسمة محياها ، شعرها اسود طويل يتدلى على كتفيها ، تفرقه من وسط رأسها ، تربط نهاياته بمشابك من الأزهار الاصطناعية ، والفراشات البلاستيكية الجميلة ، لكنها أذا خرجت من السرب تبدو أقصر قامة منهم بكثير ، مشيتها بطيئة ، تتأرجح في نقل قدميها تتمايل كأقحوانه تهزها نسمات الربيع الخفيفة ،عذبها المرض في طفولتها المبكرة فخلف لها عظام حوض مشوهة ، قدماها أثناء المشي تتقوسا للداخل ، لكنها تصر على أن تصل المكان الذي تقصده من غير مساعدة احد .
تتحدى " آية " إعاقتها تؤمن بالمستقبل ، إرادتها فولاذية مصممة أن تحقق هدفها وتصل إليه ، صوتها هادئ خافت وناعم ، تشعر من يتحدث إليها أن رذاذ نسمات ندية تدغدغ خديه . دخلت غرفة الصف، جلست على مقعدها الذي بالكاد تعلوه بقليل، ثنت ركبتيها وأقعدت جسدها الضعيف عليهما، التفتت خلفها تحدث زميلها احمد بصوت خافت تهمس إليه: يا احمد حلمت الليلة أنني طبيبة أطفال
وزارني في العيادة أطفال حالتهم تشبه حالتك، فرح الصغير احمد وابتسم ببراءة قائلاً: هل ستعالجين حالتي حتى أتخلص من دروس التدريب على المشي ؟؟
سأجعلك تمشي ولا تحتاج للتدريب، آمال كبيرة... أحلام واسعة، ثم استدارت
للجانب الأخر تحدث " بدر " : في المستقبل ستتخلص من السماعات وتسمع مثل الآخرين ، وأول ما تسمع به خبراً عني ، " آية " أشهر عازفة موسيقية على الكمان ، عدلت من جلستها ، ومالت برأسها على "هبة " الجالسة بجوارها
تحدثها : سأدخل موسوعة " جينس " في علوم الحاسوب ، سأصمم أجهزة وبرامج حاسوبية لم يعرف بها احد من قبل وُتغير من وجه العالم . ضحكت هبة وتنهدت من أعماقها قائلة: أمثالنا صعب أن تتحقق أمانيه... لا يقبل بنا الآخرين ، تدخلت المعلمة وطلبت من الجميع الاستماع إليها ، وكتبت على السبورة عنوان الدرس الجديد بخط كبير ، درسُ اليوم هو ( التحدي والأمل ) وَشرحتْ لهم أن الإعاقة لا تقف في وجه الحياة، وتقهرها قوة الإرادة ، فتحت " آية " دفترها وأمسكت القلم لتكتب كلمة شكر لمعلمتها على الكلمات والمعاني التي كتبتها وشرحتها وشحنت "آية " بالكبرياء والتصميم ، حاولت أن تكتب ولو كلمة واحدة عصرت فكرها ، وجمعت قواها ، سقط القلم من يدها وانفجرت بالبكاء تلعن القلم لأنه لا يكتب ، وهي تنظر إلى رسغ يدها الذي تشوهه تنوء عظمي وأصابع ضعيفة شبه مشلولة بكت " آية " من داخلها المسكون بالرجاء ، وذرفت من مآقيها الدمع الغزير، تساقط الدمع كحبات الندى على زهرة الورد ، بللت الدموع صفحة الدفتر ، انتبهت لها معلمتها واقتربت منها ، ماذا بكِ " آية " ؟؟ حاولت الإجابة بصعوبة ، لملمت قوتها مرة أخرى قائلة : لم اسمع من احد مثل هذا الكلام !! البعض يهزأ بنا ويضحك علينا ، وآخرين لا يقبلوا مشاركتنا اللعب معهم ، فنبقى وحدنا، ويزيد من عزلتنا وخوفنا من المستقبل !!! نحن بشر يا معلمتي ... أنا إنسانة مثل الآخرين ... نحتاج للحب والعطف ، وحين قلت ِ يا معلمتي إن التحدي والأمل يقهر الإعاقة ويفتح أمامنا حياة أرحب وأجمل، دبت في عروقي قوة خفية لأكتب إليك واعبر عن تقديري ومحبتي ، لكن قلمي سقط من يدي وفشلت أن اكتب حتى كلمة واحدة، لهذا بكيت عسى أن تنقل دموعي محبتي وعواطفي نحوك ودموعي بللت الورقة بدلاً من عبارات الحب . احتضنت المعلمة " آية " قائلة : غداً ستصبحين طبيبة أطفال واحمد سيأتي للعيادة عندك للعلاج ، وطبعت على خدها قبلة حارة ، هدأت من خاطرها ... وحاولت الكتابة ثانية !!!
زهدي الزمر ©
30 يناير /كانون الثاني 2010
مرة أخرى تطرقت إلى موضوع مهم وحساس ووضعته في قالب قصصي مثير ومشوق. العاقة الجسدية ليست إعاقة أمام التطور والتقدم والوصول إلى أعلى وأسمى المراتب. إن قصة الفيزيائي البريطاني ستيفن هوكن المعاق جسديا إعاقة تشبه كاملة منذ طفولته يعتبر اليوم خليفة أبنشتين ويحتل مكانه. إنه يتحرك بواسطة آلات مشبوكة بأطرافة ومختلف أنحاء جسده ولكن كل هذا لم يمنعه بأن يصبح واحد من أشهر الفيزيائيين في العالم ونجم من نجوم الفيزياء الكمية والكونية ومؤلف عدد من الكتب والدراسات في هذا الموضوع. المعاقون فعلا هم معاقوا العقل الذين يولدون ويموتون ولا يقدمون لهذا العالم أي منتج إنساني بل يعيقون الآخرين في ذلك.
شكرا لك على هذه الأقصوصة المعبرة والذات عبرة وإلى مزيد من الإنتاج الفكري
د. نضال الصالح/فلسطين




