السبت, يوليو 31, 2010
   
حجم الخط

الصديقان

تقييم المستخدمين: / 1
سيئجيد 

مرت دقيقتان والصمت يلف طاولتهما في تفكير عميق رغم أن الفوضى تعم المكان ، وفوق المذياع القديم باقة ورد يعلوها الغبار ويعج الدخان بالمكان ، وصاحب المقهى يمسك خرطوم الشيشة وتارة شهيق وتارة زفير ، وصوت وديع يصدح وينقلنا الى جبال لبنان ، ونظرت الى صديق السن الحرج فقلت :
الم تلاحظ ياخالد أن المقهى لم يتغير منذ عشر سنوات ، عندما التقيت بك لاول مرة وتم تعارفنا ، فقاطعني خالد : نعم يااحمد ولكن أنت الذي تغيرت
اصبحت من ذوي الوجاهة بكرشك الذي يتدلى امامك ، فتبسم احمد -اللهم لاحسد -إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ، ولكن أنت لم تتغير ابدا .
وعاد الصمت إلى الطاولة ، وبعد رشفة من القهوة التركية ، بدأ يتحدث أحمد بكبرياء :أتعرف أن هذا المقهى الشعبي لم يعد يتناسب مع وضعي الأجتماعي
والمالي ، ألا ترى ألحمامة البيضاء ذات الارجل السوداء التي تقف أمام المقهى .فقال خالد مندهشا : حمامة ! وأرجل سوداء !.
نعم ياصديقي إنها سيارتي ، وأيضا شيدت منزلا في ألحي الذي يقطنه علية ألقوم ، وفتح خالد فمه ، وتوسعت حدقة العين مندهشا ، وأخذ يكرر ويسأل :
كيف ؟ ومن أين لك هذا ؟ وأنا اعرف أنكم غادرتم منزلكم الشعبي ، إلى حي شعبي آخر أقل في ألمستوى .
وقهقه أحمد وقال : إنني جئت إلى هذا المقهى لأستعيد ذكريات ألسنين الممحلة ، وألان أصبحت ربيعا مزهرة ، فقاطعه خالد : إنني لاأسمعك جيدا بسبب
اصوات ألكادحين نهارا ورواد ألمقهى ليلا .
فقال احمد : !ذا لابد من ألذهاب إلى مكان هادىْ ، وكل ماعليك ياصديقي أن تكون بجانبي في حمامتي أقصد سيارتي ، وسأخذك إلى مكان جميل وهادىْ ،
وكان ألمقهى هادئا ، وذو الوان جذابة ، وألاضواء خافتة ، وألموسيقى ألهادئة التي تأخذك إلى عام آخر .
فقال خالد وهو ينظر يمينا ويسارا وألى ألاعلى مندهشا : هل هذا المقهى في مدينتنا ؟
فضحك أحمد : نعم ياصديقي ، ولكن هذا للنخبة فقط .
وقال خالد : وكيف أصبحت من ألنخبة ؟
فقال أحمد : كان هناك صندوق اسود اكل عليه الدهر وشرب ويضع الوالد جميع أوراقه ومستنداته وأغراضه ألخاصة فيه ، ولانعرف ماهية هذه ألأغراض بالتحديد ،
ولانستطيع ألأقتراب منه ، وبعد وفاة الوالد -رحمه الله رحمة واسعة - ومرور شهر على وفاته ، قررنا أنا ووالدتي وأخي حامد أن نفتح ألصندوق ، وبحثنا عن مفتاحه
ألخاص فلم نجده ، وأخيرا فتحناه وكأننا لصوصا محترفين ، فوجدنا أوراقا وصكوكا ومستندات ، وكان من ضمن ألصكوك التي لانعلم عنها صك لقطعة أرض
مساحتها ألف متر مربع ، ماذا بك مندهشا ياخالد وكأنني أقص عليك قصة ألف ليلة وليلة .
نعم ...نعم أكمل .
وكانت المفاجأة ياخالد ، بأن ألأرض تقع في وسط ألمدينة وعلى شارع تجاري ، وعندما سمعت بثمنها عند البيع أغمي علي وقد نقلت إلى ألمستشفى ، كان المبلغ
كبير ، وقد تقاسمناه شرعا أنا وأخي وأمي ، والان نحن من أصحاب الملايين .
فقال خالد :أجزم بأن والدك أشترى ألأرض عندما كانت المدينة كقرية صغيرة في زمننا هذا .
فقال احمد نعم صحيح لا ن تاريخ الصك قبل اربعين عاما ، ولكن أنت أخبرني عن وضعك .
فقال خالد بعد أن أخذ نفسا عميقا ، والدي توفي- رحمه ألله -وعليه ديون كثيرة ونسددها أنا وأخي ، وأذهب إلى عملي ماشيا كي أوفر ثمن أجرة ألطريق ،
وفي أثناء ألحديث ، جاء ألنادل ووضع فاتورة ألحساب -للقهوة ألتي شربها أحمد وللعصير الذي شربه خالد - على الطاولة فأمسك خالد بالفاتورة ونظر إلى الحساب
وبدأ وجه خالد يتلون بألوان ألطيف من سعر الفاتورة ، فقال : إن ألسعر يكفيني مصروفا لمدة اسبوع .
فقال أحمد : لاعليك ياصديقي أنت ضيفي ودع ألحساب عنك .
وصار خالد يتمتم بكلام لايسمعه احمد ...نعم أصبح هناك فارق طبقي بيننا ، وأستأذن خالد من صديقه أحمد وأراد ألذهاب ، ولكن أبى أحمد ألا أن يوصله بسيارته ،
ولكن خالد قام مسرعا إلى خارج ألمقهى وهو يقول : لا شكرا لك سأذهب ماشيا لانني أخاف أن أتعود على ركوب السيارات الفارهة ، ولا استطيع أن أشتري دراجة هوائية
فكيف سيارة ، وسأعود إلى مقهى المعلم عبده وإلى طبقتي ، طبقة الكادحين ، وأعرف تماما ياصديقي أنني لاأحسدك ولكن لك طريق ولي طريق وعلى خطين متوازيين .
                                                              محمد  السميران /الرياض

 

 

 

التعليقات (3)add
زهدي حسني الزمر
الطبقية والاحساس الاجتماعي
أرسلت بواسطة زهدي حسني الزمر , مارس 14, 2010
الاستاذ محمد السميران
عوامل اقتصادية وتحولات اجتماعية هائلة رافقتها افرزت طبقية اجتاعية تبدو واضحة في الفروق التي انتجتها مع تلاشي الطبقة الوسطى تدريجياً فزادت طبقة الفقراء واتسعت في الوقت الذي تركزت الثروة بيد فئة قليلة فعمت البطالة وتغول الجوع وبسط التضخم سلطانه وافلست الشركات هنا وهناك وانحدرت الاخلاق بالاتجار بالبشر والبيئةوغير ذلك والبشر تدفع الثمن باسم التطور والمدنية ولا يعرف المدى الذي سنصله ؟؟؟لقد ابرزت من خلال موقف بين شخصين تلك المشكلة فما بالك حين تكون بين امم وشعوب ومجتمعات وقارات وعلى مستوى العالم !!!
اتمنى لك دوماً الابداع سلمت
واقبل الاحترام والتقدير
زهدي الزمر
التبليغ عن إساءة
تصويت سلبي
تصويت إيجابي
أصوات: +0
محمدالسميران/ الرياض
شكرا لمرورك
أرسلت بواسطة محمدالسميران/ الرياض , مارس 14, 2010
شكرا لمرورك ياحاج زهدي انت استاذنا ودافع لنا للاجمل دائما

التبليغ عن إساءة
تصويت سلبي
تصويت إيجابي
أصوات: +0
موفق مدحت الذياب
من أين لك هذا
أرسلت بواسطة موفق مدحت الذياب , مارس 16, 2010
الأستاذ الفاضل محمدالسميران

سلام..

لا أحد يستطيع أن ينكر وجود الفوارق الطبقية في المجتمعات العربية أو الغربية، وهذه الفوارق موجودة منذ أن وجد الخلق ولا إعتراض عليها ولا ضرورة لمحاربتها.

أما إذا نظرنا إلى هذا الموضوع من زاوية " من أين لك هذا ؟ "، والإلتزامات الواجبة على الموسرين، وطبيعة العلاقات بين أبناء الطبقات المختلفة، فهنا مكمن الداء.. والدواء يحتاج إلى تحليل ونقاش طويل.

أما صاحبنا خالد، فأنا لا أتفق مع قراره ووجهة نظره " لك طريق ولي طريق وعلى خطين متوازيين "، فما هو الخطأ الذي وقع فيه أحمد؟، لقد ورث مالا حلالا، إقتسمه وفق الأصول الشرعية مع أمه وأخيه، لم ينسى حارته القديمة ولم يتجاهل أو يتكبر على أصدقائه القدامى.

أستاذ محمد.. موضوع جاد وشيق، وحقيقة يحتاج إلى مساحات نقاش أوسع وأرحب... لك كل الشكر والتقدير.


مع خالص تحياتي


التبليغ عن إساءة
تصويت سلبي
تصويت إيجابي
أصوات: +0
أضف تعليق
تصغير | تكبير

busy

انقر هنا لقراءة المزيد من الكاتب

مرحبا بك

احدث التعلقيات

ابحث عن صديق

أنا أبحث عن
العمر بين
إلى
المكان :
المدينة
الولاية
البلد

فيديو اليوم



المتواجدون الآن

6 مستخدم و 562 ضيف متواجدون

أحدث نشرات المجموعات

  • جماعة النقاد الجدد اصدقائى الكرام أرانا تقاعسنا كثيرا وأرجو ان نعود الى نشاطنا حتى نضمن لهذه الجماعة الاستمرار منتظر مق...
  • رؤى اهل الرواية - اقصد الروائيين - المظلومين في هذا الزمن دون غيرهم من المبدعين ففي خمسنات القرن الماض...
  • ابداع الشعر قمرى أبثه لحنى وإن شجى بى همى أقول له ماعدت بالهم أهتم

أحدث الصور

أحدث الاعضاء

أحدث الفيديو