الكاتب صالح السهيمي الأربعاء, 10 مارس 2010 17:12
( ارجعْ يَا كلَّ الحُبّ )
ترددها والدتي الحنون قبل غروب الشمس، والأفق يتشرب حُمْرَة السماء، والشفق يُسدل أهدابه برفق على القرية الحالمة. (ارجعْ يَا كلَّ الحُبّ) أغنيةٌ تهربُ في الأفق المجهول.
في المنفى سمعت أنَّ والدتي ابيضت عيناها من بكاء أغنيتها الهاربة. (إلى متى هذا الهروب؟) تساءلتْ نفسي ذات مساء كئيب عن العودة والحنين إلى (أغنيتي) التي لا تفتأُ تُذَكِّرُني بمَن ابيضت عيناه للحزنِ والألم.
أتذكّرُ الآن جيداً اختياري (المنفى) قبل أحدَ عشرَ عاماً حين هربتُ من حسدِ الأرض، واغتيالِ الأعشاب الذابلة. حينها تهاوى إلى الأرض أحدَ عشرَ كوكباً تخرُّ ساجدة للحزن، كنت أنام وأصحو على هذا الشعور الحزين، أحد عشر عام تجرعتُ فيها همومَ الغربة، سئمتُ الاغتراب، سئمتُ النأيَ عن (أغنيتي)، التي علمتني الغناء القروي، والتي علمتني كيف أغسل حزني بالغناء، وكيف أهدهد عناء الفقر بمقولتها: (لولا الأماني ما عاش الفقير).
-آه يا فقر المشاعر.
-آه يا حسد الأرض.
أتذكّرُ عندما لحقتُ بأوَّلِ قافلةٍ تسابقُ الريح، فقد كانت تبعث على الكآبة، والإحساس باليتم. كنتُ مُطلقاً العنان لنظرتي المخترقة أفق السماء، والغيوم تقترب من رأسي الصغير. تداعب ناصيةً مثقلةً بالحزن، والقافلة تنحدر من أعالي الجبال. شعرتُ وقتها بأنَّ الأرضَ تميدُ بنا. وتهتزُ طرباً؛ لتقذفَ بنا إلى أرض تنتشل الرجال من بئر أحزانها !
-آه يا فقر المشاعر.
-آه يا فقر الأحزان.
المنفى هنا جميل، لا أشعرُ فيه بالألم. سوى أني أتدثرُ بهمّي الذي غدا شبحًا يفسرُ أحلامي الباردة، وكأنَّ الطيرَ تقتربُ من رأسي؛ لتشرب من كأس وحدتي الآخذة في صقيع مهول، حيث لا ماء هناك. وزمهرير المشاعر يطوِّحُ بالخوفِ عاليًا.
-آه يا فقر الهروب.
-لا أريد أن أمكثَ في وحدتي خالي الوفاض.
تساءل خالي :
-متى العودة ياعزيزي ؟
-العودة لمن ؟
ومدنُ الثلجِ تخيّمُ على مشاعري الباردة. ولكنها (أغنيتي)؟ (تساءلت الذات) لابد من تقبيل يدها، وخدها، ورأسها، وما تبقى من جسدها. إنها الأغنية المتدفقة في ذاتي.
- متى العودة ياعزيزي ؟
عزمت على العودة لأغنيتي ولأرضي التي آثرت أن تقذف بي منذ سنين عجاف. هاهي ساعة العودة تدق نواقيس الرحيل، إذ لم يبقَ دون عودتي سوى أحد عشر يوماً، وخالي متضجرٌ مني. يستعجلُ قدماي بالمسير جنوباً.
- أنا لا أستطيع أن أمكث أحد عشر يوماً هنا.
- وما العمل يا خال؟
- يا ولدي اشتقت إلى القرية وبيادرها.
خطرَ ببالي أن أعطيه (ثوبي القديم)، وحقائبي؛ لتنوب عني. في اليوم التالي طار إلى الجنوب، (جنوبٌ) يتغلغل في داخل المرء إلى درجة إقصاء الذات. طارَ إلى أغنيتي مدغدغاً أحاسيسي بالبكاء. لم أودّعه، ولم تلتقِ العينان. حين غاب في الأفق.
سَكَنَ الليلُ، داهمتني (الحـمّى)؛ لتتضافر والألم بداخلي، ومع إشراقة دفء الصباح يتدفق إلى أذني صوت خالي:
- يا صباح الفل والكادي.
- يا صباح الجنوب... حمداً لله على سلامتك يا خال.
- كانت رحلة موفقة. (قالها فرحًا).
- كيف والدتي ؟
لَفَّهُ الصمتُ قليلاً، وداهمتني (نوبة) سَرَتْ تتغلغل في عروقي. أقفلت على إثرها سماعة الهاتف. سمعت كالحلم جرس الهاتف ثانيةً، سمعت صوته يتدفق بفرح، يقول:
- ارتدّ بصرُها عندما ألقيت (ثوبك القديم) على وجهها.
صدى الأغنيات مازالت ترن في أذني، تعيد شريط الذكريات أمام عيني المتعبة من الترحال. أشعر أنَّها تمزقت بداخلي. مزقتها السنون الباردة ! أشبهها كثيرًا؛ حتى أصبحتُ أغنيةً هاربةً كُتِبَ لها أنْ لا تعودَ إلى المغني.
ارتعشت يدي، كأنما تجمدت الدماء بداخلها، واقشعر جلدي؛ لتسقط سماعة الهاتف... وصوتُ خالي يهوي ببطء إلى قعرِ بئرٍ مظلم.
التعليقات
(0)




