الكاتب زهدي حسني الزمر الثلاثاء, 16 مارس 2010 04:30
" أمرأة ولا عشرة رجال " لقب اطلقته نساء الحي على ام العربي ،عاشت صباها وشبابها في زهوٍ من القوة والتسلط ، وجمعت بين مزايا الانوثة والرجولة في شكلها العام انثى ، اما تصرفاتها
وسلوكها تبدو لمن يراها انثى في ثوبها عشرة رجال ، حتى شاع بين اهالي الحي انها (خنثى )، تزوجت بعد وفاة والدتها فزادت غطرستها وجبروتها ، كل من عرفها دعا لزوجها بالرحمة والرأفة وطول العمر ، سكنت في طرف المخيم الجنوبي حيث الازقة الضيقة والبيوت الطينية ، اجبرت جارها ابو صالح على هدم غرفة من داره لتوسيع الزقاق الموصل لبيتها ،استبدت بنساء الحي من الجارات اللاتي عرفنها ، تتدخل في شؤون حياتهن الاسرية والزوجية ، تستشيرها النساء بخصوص العلاقة مع ازواجهن ، زوجت بعض الفتيات حسب رغبتها ، وطلقت الكثيرات من ازواجهن ، ، الرجال والنساء من اهالي الحي يقرأون المعوذات لسماع صوتها وهي تعبر الازقة ، الشر يقطر منها قطرا ، يا ويل كل الويل لغريبٍ، رجل كان او امرأة يعبر الحي و يسأل عن قريبٍ له او صديق ، او من بعبر الشارع والازقة من عمال البلدية و جباة الماء والكهرباء الذين يمقتون مجىء اخر ايام الشهر ، حتى لا يصل احدهم تلك المنطقة، كي لا يضرب بالنعال امام اهل احارة ان اخطأ بالحديث معها او رفع صوته عليها ، خاصة بعد ضربها البقال ابي جبريل لمطالبتها تسديد ديونها ، قلبت بقالته عاليها سافلها تتمتم وهي تضربه : سأجعلك عبرة لكل واحد في الحارة يتحداني ، هذا الحادث زاد من صولها وحولها وقوتها واتسع خوف الرجال منها قبل النساء وغلبت هيبتها هيبة المختار ووجهاء المخيم ، طغت شراستها على كل من حولها حتى الكلابالضالة والقطط الهائمة بين الازقة تتجنبها ، يهابها الهواء المار بطرفها، وتحول الحي الى جحيم وفكر كثير من سكانه بالرحيل ،
اذعن لجبروتها الشيخ اسماعيل الضرير مقرىء القرأن والمولد النبوي والمدائح في ا لمناسبات الدينية طويل القامة نحيل البنية يحمل عكازاً خشبياً، حليق اللحية ، يضع على رأسه طربوشاً احمراًيلف وسطه من جهة الرأس بشاش ابيض على هيئة اسطوانية منمقة . اما الحاج درويش صاحب لصالون حلاقة في الطرف الجنوبي للمخيم ، يلف رأسه بخرقة قماش خضراء اللون ، ، لحيته كثة ، شعر ها طويل ، غزل الشيب فيها خطوطه البيضاء ،قصير القامة اسمر البشرة ، غليظ الحاجبين ، معروف ان اباه من اصول هندية ، مارس الحلاقة في صالونه المطل على المقبرة ، ذاع صيته باستخدام ديدان العلق في علاج بعض الامراض الى جانب الحجامة " كاسات الهوا " ، يربي الديدان في جرارفخارية يركِزها امام الصالون ، دخلت عليه ام العربي وهو يرغي الصابون على رأس ابي شحادة ليحلق شعره بالموس على الصفر ويزرع ديدان العلق في كل سطر على راسه، وبينما هو يحملق في رأس ابي شحادة لزرعه بديدان العلق ، اطلت برأسها داخل الصالون وهو يدير ظهره ، صرخت : اسمع يا حاج ، تأتي الليلة انت والشيخ اسماعيل بعد صلاة المغرب لقرأة المولد في بيتي لروح والدتي ، روحها طلبت الرحمة ، تأتأ الحاج ببعض الكلمات معبراً عن عدم رغبته هذه الليلة المشاركة بحفل المولد ، صاحت به : انت تعرف ما يحصل لك ان لم تأتِ بصحبة الشيخ اسماعيل ... اعمل ما أقوله لك !!! استعاذ الحاج درويش من الشيطان الرجيم ، هز رأسه وأجاب : حاضر يا ام العربي.
في المساء وبعد صلاة العشاء اصطحب الحاج درويش الشيخ اسماعيل ، يقطعان الازقة والدروب الضيقة حتى وصلا منزلها، وجدا في ساحة الدار الخارجية وعبر الشارع حفلة زار يحيها مجموعة من الدراويش دعتهم ام العربي زكاة عن روح والدتها ، دقت الطبول ونقرت الدفوف ونفخ بالمزامير وحملت الاعلام الصوفية ، وعلى ا لانغام الصادحة تمايلت الاجساد النحيلة وهي تردد : حي ... حي ... الله اكبر ، بعض الدراويش فقد الوعي والبعض الاخر خرج الزبد والمخاط من فمه وانفه ، الشيخ الضرير لم يستطع المشاركة في الزار ولا حتى قرأة الفاتحة على اسماع الحاضرين في الحفل ، اما الحاج درويش تتجول عيناه بين الحضور كي يلمح ام العربي ويثبت لها حضوره كما امرت، لمحته بطرف عينها وأومأت له ان يشارك في الزار ، الحاج لا يتقن الدوران والالتفاف والتمايل ، لكنه اندس في وسطهم ورقص وتمايل واحتل وسط الحلبة ودار ... ودار حتى اصابه الدوران وفقد وعيه ، دلقوا عليه دلوٍ من الماء ليستعيد وعيه ، فلاقى الاستخفاف والاستهجان من الدراويش الاخرين ، وكلما تماسك وعاد له اتزانه اجبرته على الاستمرار بالتمايل والدوران والرقص ، يحاول ان يتخلص من هذا الحرج، يتلعثم ويردد اناشيدهم ومدائحهم حتى اصبح كالديك الذبيح ، انتهى الزار في ساعة متأخرة من الليل ردد على مسامعها تملقاً وخوفاً : كل هذا من اجلك يا ام العربي !!!
في صباح اليوم التالي تناهى لاسماع الحاج درويش دخول ام العربي المستشفى ، فكر قليلاً ربما اعياها السهر ليلة امس ، غير انه احس بواجب عليه تأديته خشية العقاب بعد شفاءها لانها ان شفيت ورجعت لبيتها ولم يزرها احد من الجيران الويل كل الويل له ، زيارتها في المستشفى اثبات براءة ذمة له حتى لا يضرب او يهان ، هرول الى المستشفى يسأل عن رقم غرفتها، لكنه أخبر ان زيارتها ممنوعة موجودة في غرفة العناية المركزة ، حالتها خطرة ، مصابة بالشلل التام . عاد لصالونه تغمره هدأة البال والراحة محدثاً نفسه : الوقت دنا لنخلص من شرها وجبروتها وقوتها ، لم ينبس ببنت شفة عن حالها ومرضها كي لا يقع في القيل والقال ، وعندما سمتت الشمس كبد السماء جاء نعيها وانتشر خبر وفاتها مثل الخبر العاجل وسرى بين اهالي الحي كما تسري النار في الهشيم ، تهامست النسوة في الحي همسات الشامتات او همسات الخائفات من عدم صحة خبر وفاتها ، بعضهن قالت : هي بسبعة ارواح اخرى ردت عليها : افتحوا باب دارها ربما تكون بداخل منزلها ، قالت ثالثة : نحتار بينها وبين الشيطان ... اعوذ بالله من قوتها ... حتى تأكد ت وفاتها على لسان زوجها .
جهزت للدفن ، حفر القبر ، ، غُسلت وكُفنت ، حُمل الجثمان بحمالة على الاكتاف لثقل وزنها وضخامة جثتها ، سار المشيعون في الجنازة باتجاه القبر يتسارعون في مشيتهم بين القبور تعثر احد الحمالين بزاوية قبر فسقط الجثمان على الارض ، ارتض الجثمان وتعجن داخل الكفن ، سمع المشيعون طقطقة عظامها ، وتبلل الكفن وطلي بالطين المخصص للدفن ، قبل انزالها حفرة القبر صاح احد المشيعين : اعيدوها للبيت لتكفينها من جديد ، رد عليه اخر : الطين طاهر واكرام الميت دفنه ، انزل المشيعون الجثمان حفرة القبر ولحدوها ، قرأ الشيخ اسماعيل عليها ايات من الذكر الحكيم، ردموا عليها التراب وحددوا القبر بالحجارة والطوب ، انصرف المشيعون بعد انتهاء الجنازة ، تأبط الحاج درويش ذراع الشيخ اسماعيل وقربه منه وحدثه هامساً من غير خوف او وجل ... من غير تأتأة او تلعثم ... همٌ كبير ٌزال عنا !!!
شر وخلصنا منه ... ما نوع هذه المرأة حتى في موتها قوية ؟؟؟ يا رجل ترفض ان تنزل القبر
اليوم دنا اجلها ... ماتت ومات الخوف منها !!!
زهدي الزمر ©
13 مارس / آذار 2010
مشكور اخ زهدي على هذه الاطلاله الرائعة
أرسلت بواسطة زهدي الزمر , مارس 17, 2010
دوماً القى منك التشجيع وهذه سجاياك وتقديرك لمن هم ينهلون من معرفتك وفكرك لذا اثمن لك مرورك على قصة " حدود الخوف " لأن المخيم بالرغم من كونه بصمة سياسية دمغت بها حياة شعب ولا زالت ارى فيه ارث ثقافي واجتماعي لفترة تزيد على نصف قرن من الواجب حفظ وسرد هذه الحقبة كي لا تمحى من ذاكرة شعب وامة .
مرة اخرى اجزل لك الثناء والتقدير
زهدي الزمر
أرسلت بواسطة زهدي الزمر , مارس 17, 2010
مرورك على قصة " حدود الخوف " اعتز به واعتبره دعماً وتشجيعاً لي ، وما ام العربي سوى رمز للتسلط والتجبر في حياة الاخرين وما المخيم الا تعبير عن الوسط الاجتماعي والنفسي لمجتمع عاش حياة الخوف والرعب ولم يقو على وضع حد لهذا النوع من الظلم فوجد بالموت ملاذاً لخلاصه ليعبر عن ضعف حيلته . .. اشكرك... ودعمك لي اعتز به ... وشكراً
زهدي الزمر
سلام...
قالوا في الأمثال " يا فرعون مين فرعنك، قال مالقيت حدا يصدني ". كنا نحن العرب مضرب الأمثال في العزة، فغدونا نشرب الخوف مع كل قطرة ماء، وبتنا نتناول بهارات الخوف مع كل وجبة طعام حتى تحولنا إلى ذلة. كنا نرث الشجاعة عن أبائنا وأجدادنا، وبتنا نورث الخوف والإستكانة والواقعية لآولادنا وأحفادنا.
أحسنت أستاذ زهدي في رسم هذه الصورة المؤلمة. ودمتم ونحن جميعا موعودين بالخلاص والنصر بإذن الله.
مع خالص تحياتي
أرسلت بواسطة زهدي الزمر , مارس 17, 2010
مرورك وتعليقك على قصة " حدود الخوف " تعبير اكيد لرفضك الخوف باشكاله والوانه وممارسته على الاخرين كما مارسته ام العربي على النساء والرجال، وهو مشهد حياة شعب مورس عليه القهر كما اذعن له الشيخ اسماعيل والحاج درويش ، لذا اشكرك على ما كتبت وعبرت عنه وهذا وسام اعتز به واقدره .
لك احترامي وتقديري
زهدي الزمر
أرسلت بواسطة سفيان شعبان , مارس 19, 2010
اعجبتني ام العربي و عن جبروتيها المتسلط و على قدرتها الامساك بزمام الامور عبر القوة ..فذكرتني بالدكتاتور الاسباني فرانكو ..الذي مان يهلبه كل الاسبان بسبب قوته اللامتناهية ...و برحيله انتهى عصر الدكتاتورية و حل مكانه عصر الديمقراطية
لكن ان رحلت ام العربي فأذن ان هناك قصص حقيقية و اقعية نساء ليست بعشرة رجال فقط بل بمئات الرجال او اكتر ..فإن رحلت ام العربي فما زال ذكراها يقبع في قلوب سكان الحارة و ما زال الخوف يترصد على ابواب منازلهم..
اشكرك استاذي على هذه القصة الشيقة ..و اتمنى لك التوفيق ة المزيد من العطاء ..و الله ينجيك من ام العربي ههه
تحيات سفيان شعبان
ولا اعتقد ان ام العربي ماتت او سوف تموت
فهي موجودة في نفس كل ضعيف وجبان يقبل بالظلم
وكان لي صديق يمني يقول اموت دون حقي === فكل من يقبل بالظلم يقبل بام العربي
أهنؤك أستاذي الفاضل على هذه القصة المتميزة التي تحمل عدة جراحات ..فما أم العربي سوى رمز للطغاة الذين لا ينظرون إلى قابل أيامهم،وعواقب أعمالهم سيما إذا ماوجدوا من يذعن لجبروتم وينحني لتسلطهم..وكثيرون هم الذين يلبسون ثوب الذل والمهانة ..لتبقى أم العربي قابعة بداخلهم حتى وإن دفنوها بأياديهم
تقبل تحياتي مع عظيم تقديري
أرسلت بواسطة زهدي الزمر , مارس 21, 2010
شكراً لمرورك على قصة ام العربي ، وتذكيري بفرانكو ديكتاتور اسبانيةوكيف انتهت حياته لذا ارى ان لكل شيىء حدود وانتهت حدود ام العربي في القبر .
تقبل احترامي وتقديري





قصة أم العربي جميلة وذات عبرة وعلى جميع المتسلطين في رقاب الناس أن يعوا أن مصيرهم القبر كمصير أم العربي.
تحياتي لك ولمزيد من العطاء الهادف.
أخوك نضال الصالح