السبت, يوليو 31, 2010
   
حجم الخط

فنجانٌ من خيبة

تقييم المستخدمين: / 1
سيئجيد 

انتحى فيها العتبُ جانباً قصيّا، فحملتْ كلّ أمتعةِ قلبها- وما أجملها من أمتعة للحب فيها الحصة الكبرى .. والصغرى- وتنفّستْ شهيقَ الإعتذارِ بلا ذنبٍ ومضتْ إليه بكلِّ شوق.

سألتهُ بوهنٍ : أتشاركني فنجاناً من القهوة؟

أجابها بكلِّ جمود : نعم أشارك.  ولم يقل أشارككِ.

رددّتْ بحب: تشارك وفقط؟

فاضتْ عينيهِ غراماً كانت تنوي اصطيادهُ، فردّد بكلِّ رقّه: أشارككِ حبيبتي.

رجعَ قلبُها إلى محلّهِ بعدَ أن قفزَ عدةَ قفزاتٍ نحوه، فلم تكن بحاجةٍ إلى أن ينطقَ بكلمةٍ واحدةٍ بعدما قرأتْ قصائدَ الشوقِ تترتّلُ من عينيه، تبسّمتْ بفرحٍ لم تستطع إخفاؤهُ ومضتْ إلى مطبخٍ يحوي قهوةً منتظرة.

أعدّتْ قهوةً مطهوةً على نارِ الشوقِ وسكبتها في فنجانينِ من قلبين، وهرولتْ تسابقُ بخارَ القهوةِ المتصاعد، فكانتْ الأولى في الوصولِ إليه، وتبعتها قهوةٌ بلون الماء!

أين ذهبَ سوادُ البنِّ؟ وحدها تدري أن للقهوةِ مذاقٌ آخر ترتشفهُ من عينيه، فدندنتْ كعادتها الفيروزيةِ في طقوسِ شربِ القهوةِ " بالقهوة البحرية إطلّع بايديك وتشرب من فنجانك واشرب من عينيك"

 

ذابَ ظهرُ اليوم وتدفقَ ينابيعَ من رضىً في وجدانها، وتكسّر العتبُ في صدرها ببضعِ خطواتٍ والقليلِ من الكلماتِ التي دفعها في رصيدهِ الذي بدأ بالتلاشي !!

لكنّها تُحبه حدّ غفرانٍ لا يعلمهُ إلا الله.

طلبتْ منهُ أن يذهبا إلى السوقِ لشراءِ بعض حاجاتٍ كانتْ قد أخبرتهُ بها سابقاً، استجابَ بكلِّ هدوءٍ كانَ للإهمالِ أقرب!! لا، ربما هو هدوءُ الرضى، قالت في نفسها. حيثُ قلبها محامٍ فذ، دافعَ عنهُ امامَ اتهاماتِ فِكرها اليقض!!

وفازَ محامي الدفاع وخرجَ المتهمُ بريئاً ودفعَ الشاكي أتعابَ المحامي والمتهم .

في زحمةِ السوقِ وجموعِ المشترينَ بحاجةٍ وبدون حاجة، كانا يسيرانِ معاً، أنهيا شراءَ كلِّ ما يلزم، هي تسألهُ عن رأيهِ بكلِّ شيء، حتى الطريق الذي يسلكانهِ، وهو يُومىء لها دائماً بحركةٍ خفيفةٍ من رأسهِ المثقل إشارةَ الموافقةِ بلا اعتراض.

لم يخالفها في شيء !!

حينَ نكونُ متوافقينَ مع الشريكِ في رحلةٍ إلى السوقِ هذا يعني خيارين:

إما أننا واثقونَ به حدَّ الإلتصاقِ في كلِّ شيءٍ لدرجةِ أنَّ الرأيَ واحد حتى في لونِ الآيس كريم ، أو الإحتمال الآخر، وهو الأكثرُ خطورةً أن نكونَ متجاهلينَ وجودهُ تماماً فلا يعنينا كل ما يخصّهُ فموافقتنا هنا أو معارضتنا سيّان فنختارُ الموافقةَ إراحةً لفكرٍ لا يريدُ أن يُجهدَ بأمرٍ لا يعنيه!!

أيهما كان؟ أقنعتْ نفسها أنهُ يحبّها حدَّ التطابقِ في كلِّ شيءٍ

مشيا، حدّثتُه وهو يسبقُها بخطوتين: ألن نذهبَ لإلتقاطِ صورةٍ كما اتفقنا؟

لم يجيبْ، تمتمتْ بصوتٍ خفيف:

أنتَ اليومَ لا تسمعني منذُ الصباح.

فردَّ بصوتٍ كأنه للصراخِ أقرب:

عن ماذا تتحدثين؟

أجابتْ: أريدُ أن التقطَ صورةً شخصيةً لأرفقها بطلبِ الوظيفةِ المنتظرةِ، ألم أخبركَ أنها ضروريةً لكي يكتملَ تعيني، وصورتي القديمة لا تعجبني، وهي قديمةٌ جداً.

كأنكَ مهملاً لرغبتي هذه !!

أجابها بكلِّ صلافةٍ: حينَ تتنبهينَ أنتِ لي أولاً أتنبهُ لكِ ولمَا ترغبين.

ذُهلتْ!! تساءلتْ في كونها الخاص، ألا زالَ يحتفظُ بكلِّ هذا الغضبْ؟؟ هي لم تفعل لهُ شيئاً.

هو من فعل، ويتوجب عليها ان تغضبَ هي منه!! لكنّها سامحتهُ

أحقاً انقلبتْ الأمور !!

فاقتْ من غيبوبةِ العشقِ التي أقحمتْ نفسها فيها منذُ ذلكَ الفنجان، وأدركتْ أنهُ منذُ الصباحِ لا يردُ أن يحدثّها وهي التي لا تريدُ أن تعترف بكلِّ هذا، هي من زجّت نفسها ببوتقةِ عشقٍ ينقصها هواءٌ حقيقيٌ للحياة!!

صمتتْ كما الكون، وكلّ من يشارك بوجودها على هذه الأرض باتَ صامتاً متقوقعاً من أثرِ الدهشة !!

لم يبقَ لديها من ضجيجِ الكونِ سوى وقعَ خطواتِ أقدامها وهي تمشي خلفهُ، وبضعُ قطراتٍ من ماءِ العيِن تدحرجتْ على خديّها رغمَ جموعِ المارين في السوق.

كلّ المارّه تنبّهوا لدموعها إلا هو .. لم يعلم بقصةِ القطرةِ الأولى إلى أن جفّت آخرَ قطرةً وهو لا يعلمُ ما خلّفهُ من ركامِ الأحلامِ التي دمّرها بلحظةِ نكران.

كانتْ تحلمُ بصورةٍ تلتقطها وهي محتفظةٌ بنورِ عينيهِ يسطعُ في وجهها الطفولي.

ما أصعبَ الحقيقةَ، فهي دائماً أغربُ من الخيال.

اكتشفتْ اخيراً أنّه لم يعدْ يحبّها، فمن لا يراعي رغبةً صغيرةً ولدتْ في ومضةِ لهفة، لن يعي عظائمَ الأمورِ وهي تتربى على كتفِ الحقيقة.

 

أكملا المسير  حتى وصلا البيت، دخلتْ هي حُجرةَ نومها، أطبقتْ على كلِّ ما بداخلها واستغرقتْ في صمتٍ من نوعٍ مختلف لا يعرفهُ إلاّ من ارتشفَ طعمَ الخيبةِ العظمى في فنجانٍ من قهوةِ حبٍ ميت.

نامتْ، ومن ينامُ وهو يحتفظ بصورة انهيارِ أحلامِه أمام َعينيهِ، سيصحو على وسادةٍ مليئةٍ بالحطام.

 

 

التعليقات (4)add
0
قهوة الصباح
أرسلت بواسطة زهدي الزمر , مارس 17, 2010
الكاتبة ايمان ... ابدأ بالتحية
يبدو ان هناك فرق حقيقي بين الحب الذي يتصنعه فنجان القهوة والحب الذي يصنعه القلب ، كثيرة البيوت التي هي بحاجةالى وهج الحب النابع من القلب ، فهل هذه القلوب تحتاج الى تدريبات على الحب ، ام ان الحب فطري يولد معنا بدرجات متفاوتة ؟؟؟
اسلوب جميل ، وموقف معبر عن نوازع انسانية لامرأة هي بحاجة لمن يحبها لكنها وجدت البئر فارغة .
لك احترامي وتقديري
زهدي الزمر
التبليغ عن إساءة
تصويت سلبي
تصويت إيجابي
أصوات: +0
0
...
أرسلت بواسطة ايمان بني مفرج , مارس 17, 2010
اشكرك أستاذ زهدي الزمر،
لا يمكن أن تكون هناك تدريبات على الحب بنظري، ولكن يمكننا القول بأننا قادرين على التدرب على ما يحبه شريكنا لنحظى برصيدٍ دائم لديه
الحب إحساس محض، لا يمكن صنعه
وتلك المرأة لست معها تماما ولست ضد ذاك الرجل أيضا
إنما وعكات عشقية تحتاج المزيد من الرعاية لنبقى على قيد الإحساس بمن نحب
شكرا ايها الأستاذ
التبليغ عن إساءة
تصويت سلبي
تصويت إيجابي
أصوات: +0
بسام عدي
عمان
أرسلت بواسطة بسام عدي , مارس 17, 2010
أديبتي المفضلة إيمان
لقد دخلت بنا بفنجان قهوتك هذا الى دهاليز الحب والعبير، من أين لك بهذه العظمة يا سيدتي، بل من أين تغزلين حكاياك؟ ومن أين تنسجين للحبيب هذه الصور والتعابير الرائعة؟ بإختصار يا حبذا لو أعرف من هو معلمك أو على يد من تتلمذتي؟ من أي مدرسة فكرية تخرجك، صدقيني لو كان لدى مثل الذي عندك من الخيال والبلاغة لكتبت مئات القصائد، ما شاءالله، اللهم لا حسد، فأنت كنز من العطاء، أنت نبع لا ينضب، لن أستغرب أن يكون لديك كل هذا المخزون من المرادفات الجميلة، أو أنك تملكين أكثر وأكثر، فالمكتوب واضح من عنوانه، لقد نهنا مع فنجان القهوة من الشجرة الى السوق الى البيت وحتى الى ديوان الخدمة المدنية أو مكتب العمل لتقديم طلبات التوظيف، بإختصار ذهبت بنا الى البحر وعدت بنا دون أن نتمكن من الشرب، كلماتك تستحوذ على الروح حتى الثمالة.. اهنئ ذاك الشخص الرمز الذي يستطيع ان يراك ويسمع صوتك ساعة يشاء لانك فخر لكل البشر ، أقولها وجبيري على الله. استمري يا اختاه بهذا التألق.. فالمستقبل الواعد قادم لا محاله.
التبليغ عن إساءة
تصويت سلبي
تصويت إيجابي
أصوات: +0
إيمان بني مفرج
...
أرسلت بواسطة إيمان بني مفرج , مارس 18, 2010
المتابع الرائع لكل حرف أسطره الشاعر الزجلي الرائع بسام عدي
أشكرك بداية على كل ما تتحفني به من ردود تدفعني للتعمق أكثر والإبحار اكثر في كل مرة اكتب فيها.
أما عن فنجان القهوة فهو متعدد النكهات بتعدد امزجتنا واشتباكات مشاعرنا
لك الخير أستاذ بسام
وأعدك بفنجان أكثر سكرّا في المرة القادمة
و
التبليغ عن إساءة
تصويت سلبي
تصويت إيجابي
أصوات: +0
أضف تعليق
تصغير | تكبير

busy

انقر هنا لقراءة المزيد من الكاتب

مرحبا بك

احدث التعلقيات

ابحث عن صديق

أنا أبحث عن
العمر بين
إلى
المكان :
المدينة
الولاية
البلد

فيديو اليوم



المتواجدون الآن

7 مستخدم و 570 ضيف متواجدون

أحدث نشرات المجموعات

  • جماعة النقاد الجدد اصدقائى الكرام أرانا تقاعسنا كثيرا وأرجو ان نعود الى نشاطنا حتى نضمن لهذه الجماعة الاستمرار منتظر مق...
  • رؤى اهل الرواية - اقصد الروائيين - المظلومين في هذا الزمن دون غيرهم من المبدعين ففي خمسنات القرن الماض...
  • ابداع الشعر قمرى أبثه لحنى وإن شجى بى همى أقول له ماعدت بالهم أهتم

أحدث الصور

أحدث الاعضاء

أحدث الفيديو