الكاتب نبيل عودة الجمعة, 09 أبريل 2010 04:49
وجهت لصالح تهمة قتل مراد عمداً. كانت التهمة واضحة ومثبتة بالتأكيد في الكثير من تفاصيلها. وهناك شهود ادعاء سمعوا التهديد وشاهدوا الضحية برفقة المتهم في ليلته الأخيرة.. بعدها لم يعد مراد إلى لبيت،
واختفت آثاره.
المشكلة التي واجهت المحكمة ان جثة مراد، الذي من المفترض انه قتل حسب الإدعاء.. لم يعثر عليها. مراد اختفى والجثة غير موجودة. وليس من عادة مراد ان يتأخر عن البيت بدون اتصال للتبليغ عن سبب تأخره، كما يقول أبناء عائلته.
اذا وقعت جريمة قتل فأين الجثة؟
أين أداة القتل؟
كل الدلائل والشهادات المجموعة تشير الى ارتكاب جريمة قتل.. ولكن لا أثر لارتكاب جريمة، لا الأداة ولا الجثة... ولا اعتراف من المتهم!!
صالح قال انه سيخفي مراد عن الوجود. وهذه الأقوال مؤكدة من عدد من شهود الادعاء.. وكانت محاولة من صالح لقتل مراد في السابق.. عوقب عليها صالح بالسجن لمدة سنة ونصف السنة.. تحت بند الاعتداء العنيف. ولكن رغبة صالح بإخفاء مراد من الوجود لا تعني تلقائياً انه قتله.
أين اختفى مراد اذا كان حياً؟
كل الإعلانات في الصحف، والبحث عنه في الأماكن التي اعتاد على ريادتها لم تسفر عن شيء.
وجد مع صالح مسدس، تبين انه مرخص، أثبت الكشف المخبري انه استعمل قبل فترة تقع ضمن الفترة التي اختفى فيها مراد. بل ووجدوا بقعة دم صغيرة جداً على ملابس صالح، بين فحص الحمض النووي انها من دم مراد.
اذن شبهة ارتكاب جريمة قتل مسألة واردة.
هل تكفي الأدلة التي بيد الشرطة؟
الشرطة تدعي انها إثباتات كافية لارتكاب جريمة، خاصة وان المتهم صالح، وحسب كل الأدلة، هو آخر من كان برفقة مراد.
صالح يصرّ انه أطلق رصاصتين اثناء الصيد عندما هاجمه خنزير برِّي. وشهد على صحة أقواله صيادان كانا برفقته.
هل يمكن محاكمة قاتل بلا جثة بالاعتماد على دليل، لم تثبت جهة استعماله؟
لست رجل قانون لأجيب على هذه الأسئلة. انما يهمني ما حدث فعلا في سير المحاكمة.
صالح حافظ على صمته وموقفه انه لا يعرف شيئاً عن مصير مراد بعد ان تركه في تلك الليلة، بعد ان تصافيا عن خلافات الماضي، وقد شاهدهما الكثيرون سويةً يتضاحكان، كما أصر صالح في أقواله... وأوكل الدفاع عنه لأحد أفضل محامي الجنايات.
الادّعاء عبر الدلائل التي يملكها، وعبر الشهود كان واثقاً بأن المحكمة ستدين صالح بالقتل عمداً.. حتى بدون وجود الجثة، اعتماداً على وجود بقعة الدم على ملابس صالح... التي ادعى صالح انه لا يعرف كيف وصلت قميصه، لأن مراد كان معصوب الأصبع مسبقاً من جرح، وان وجودهما معا في تلك الليلة، التي شوهدا فيها سوية، كان إشارة واضحة الى انتهاء الخلاف بينهما.
محامي الدفاع أصرّ انه بدون جثة كل الدلائل بلا قيمة.. وتعتمد على تأويلات وليس على حقائق مثبتة.
في جلسة التلخيص لجأ محامي الدفاع الى مقلب معين ليثبت براءة موكله صالح. قال في مرافعة دفاعه:
- المحكمة الموقرة.. اليوم سأفاجئكم.. خلال دقائق سيدخل قاعة المحكمة من بابها السيد مراد الذي يتهم موكلي بقتله.. رجاء انظروا إلى مدخل القاعة.
ونظر الى مدخل القاعة، كذلك نظر القاضي.. ووقف ممثل النيابة ونظر نحو المدخل.. ونظر الحضور في المحكمة نحو المدخل..
وبعد لحظة تابع محامي الدفاع :
- بالطبع لن يدخل أحد.. أوهمتُكم بأن مراد سيدخل الى القاعة، لأنكم غير واثقين من مقتله.. كلكم نظرتم نحو باب المدخل.. كلكم توقعتم ان يدخل مراد.. لذا أدعي أمامكم، انه في هذه المحكمة، يوجد شك معقول بأن أحدا ما قتل. وانا أصر ان تصدر المحكمة قراراً ببراءة موكلي.
وجاء يوم إصدار قرار الحكم. دخل القاضي، جلس مكانه، قرأ تفاصيل الملف ورقمه، ثم قال انه قرر إدانة المتهم صالح بقتل مراد عمداً...
ولم يستطع محامي الدفاع الصبر:
- كيف يجوز يا سعادة القاضي ذلك ، ألم تنظروا جميعكم الى باب المحكمة توقعاً بدخول مراد؟
رد القاضي :
- حقا.. هذا صحيح. كان لدينا شك في القتل، ونظرنا نحو باب قاعة المحكمة. ولكن المتهم صالح هو الوحيد الذي لم ينظر نحو الباب!!
نبيل عودة – كاتب وناقد واعلامي – الناصرة
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته
دام لك الالق اساتذنا
و هذا نص القصة المشابهة :
"عندما كادت هيئة المحكمة أن تنطق بحكم الاعدام على قاتل زوجته والتى لم يتم العثور على جثتها رغم توافر كل الادلة التى تدين الزوج - .. وقف محامى الدفاع يتعلق بأى قشة لينقذ موكله ... ثم قال للقاضى
"ليصدر حكماً باعدام على قاتل ... لابد من أن تتوافر لهيئة المحكمة يقين لا يقبل الشك بأن المتهم قد قتل الضحية ..
و الآن .. سيدخل من باب المحكمة ... دليل قوى على براءة موكلى و على أن زوجته حية ترزق !!...
و فتح باب المحكمة و اتجهت أنظار كل من فى القاعة الى الباب ...
و بعد لحظات من الصمت و الترقب ...
لم يدخل أحد من الباب ...
و هنا قال المحامى ...
الكل كان ينتظر دخول القتيلة !! و هذا يؤكد أنه ليس لديكم قناعة مائة بالمائة بأن موكلى قتل زوجته !!!
و هنا هاجت القاعة اعجاباً بذكاء المحامى ..
و تداول القضاة الموقف ...
و جاء الحكم المفاجأة ....
حكم بالإعدام
لتوافر يقين لا يقبل الشك بأن الرجل قتل زوجته !!!
و بعد الحكم تساءل الناس كيف يصدر مثل هذا الحكم ...
فرد القاضى ببساطة...
عندما أوحى المحامى لنا جميعاً بأن الزوجة لم تقتل و مازالت حية ... توجهت أنظارنا جميعاً الى الباب منتظرين دخولها
الا شخصاً واحداً فى القاعة !!!
انه الزوج المتهم !!
لأنه يعلم جيداً أن زوجته قتلت ...
و أن الموتى لا يسيرون "
سلام..
لقد كتب الأستاذ يزن الزيودي في مداخلته ما يشير إلى إتهام مبطن ومؤدب بنقل تلك القصة مع التصرف دون الإعلان عن مصدرها. وما مداخلتي هذه إلا لتوقيع شهادتي لكم بالذكاء الحاد في كيفية إستيعاب صدمة الإتهام ومن ثم شن الهجوم الفلسفي المضاد بتقديم التحليل التجريبي والتعليل العقلاني لمضمون هذه القصة.
أعتذر.. ولكنها كانت حالة فريدة إستوقفتني، وعسى أن أكون مخطئا في تعليلي العقلاني.
مع خالص تحياتي
اسمح لي بمداخلتين
الأولى:
صحيح ان غالبية نصوص القوانين جافة لكنها تجمع بين المنهجين العقلي و التجريبي
فالشك دائما يفسر لصالح المتهم
و الشك لا يبطل اليقين
و للقاضي دائما مساحة تقوم على المنهج العقلي تسمى : قناعة المحكمة ( لكنها مساحة لا تسمح بالمناورة في غياب الادلة الحسية )
الثانيه :
الشيء بالشيء يذكر
هذا اقتباس من كتاب الحيوان للجاحظ و هو من اوائل من اعتمد الشك المنهجي :
«واعرف مواضع الشَّك وحالاتها الموجبة لها لتعرف بها مواضع اليقين والحالات الموجبة لـه، وتعلَّم الشَّك في المشكوك فيه تعلُّماً، فلو لم يكن في ذلك إلا تعرُّف التَّوقُّف ثُمَّ التَّثبُّت، لقد كان ذلك مما يُحتاج إليه. ثمَّ اعلم أنَّ الشَّكَّ في طبقاتٍ عند جميعهم، ولم يُجمعوا على أنَّ اليقين طبقات في القوَّة والضَّعف»
أستاذي الفاضل موفق الذياب :
باعتقادي أن من الأولى أن يصدر الاعتذار مني على فضاضتي ، و أرجو ان تفيد "عساك" التمني
أعتذر
ودمتم كما تحبون
في البداية لقد كان تعليقي الاول واضحا وضوح الشمس و هو انني اعجبت باعادة سرد القصة و ما القصة ذات الخمسة اسطر الا دليل على فرق الاسلوب القصصي بينهما .
سيدي الفاضل حين ترجمت مؤلفات شكسبير و مؤلفات فكتور هوجو و ميشيل زيفاكو و العديد من غيرهم بقيت تلك المؤلفات تحمل اسم كاتبها الاصلي
و حين أعاد المنفلوطي اعادة صياغة الفضيلة و الشاعر و مع اشارته للمؤلفين الاصليين بقيت تحمل اسمه هو لانها لم تكن ترجمة بقدر ما كانت عملا ابداعيا باعادة سرد القصة بلغة الضاد !
سيدي الفاضل لست اديبا و لا قاصا و لا روائيا لكنني الهدف الاول الذي يسعى كل قاص و روائي لايصال رسالته اليه
انني ببساطة امثل شريحة القراء !
و ان كان استاذي موفق الذياب قد فسر ردي باستخدام المنهج العقلاني فاستغرب كيف وصل الى تلك النتيجة و الشك لا يبطل اليقين .
أستاذي في مداخلتي الاخرى ناقشت مغزى القصة ذاته و محورها الاساسي و اشرت الى مداخلة استاذنا موفق الذياب برجائي ان تكون كلمة عسى تفيد التمني لا التوكيد
أعتذر مرة أخرى على سوء اسلوبي بالتعبير الذي جعل الامور تأخذ منحى يعلم الله وحده انني لم اقصده
و كأحد القراء الذين تتفاوت قدراتهم العقليه و التي تحاولون معشر الادباء ان توصلوا اليهم رسالتكم بذكاء و اقتدار اقول :
رسالتك وصلت استاذي الفاضل .
سلام..
أكرر لكم بأني قدمت مداخلتي على سبيل المدح لا القدح والذم، فالخروج من مطب أو مأزق أو فخ نصب عمدا أو عن غبر عمد يحتاج إلى عبقرية فذة لتجاوزها، ولا يستطيعها غير المتمرسين الأذكياء سواء في مجال الأدب أو غيره.
أما قولكم : " الأستاذ موفق فهم، او بنى ما تخيله هو .. مثبتا عدم المامه المؤسف بالتأليف الأدبي ، متوهما ان المؤلف يخترع الحكايات .."، فلا داعي لهذا الإستنتاج لأني لم أدعيه يوما في حياتي، لكن يبقى من واجب المؤلف أو الكاتب أن يتصرف بحكايات الأزمان السالفة فيما يفيد الغاية والفكرة مع عدم إسقاط واجب التنويه إلى مصدر تلك الحكاية. ودمتم بخير..
======================
الأستاذ الفاضل يزن المزيودي
حسب ما أعلمه.. فإن " عسى " على لسان العامة منا لا تفيد إلا التمني... والله أعلم..
مع خالص تحياتي للجميع
و ما اعلمه ايضا ان عسى لا تفيد الا التمني
فاما الاشفاق في المكروه أو الترجي في المحبوب الا في خطابه سبحانه و تعالى على قول البعض
لكن ما قصدته انني ارجو ان لا تكون متأكدا من تحليلك و بهذا تكون كلمة عسى وردت على سبيل التواضع او المجاملة الادبية و ليس على سبيل المعنى الشائع لها
و انني اتفق معك بموضوع التنويه لمصدر الحكاية ولكن بالنسبه لهذه القصة فليس معروف كاتبها الاصلي على وجه التحديد و هي معروفه كأحد القصص الشعبيه القديمة و ربما لانتشارها لم يشر الاستاذ نبيل عودة الى انها من وحي الادب الغربي او القصص الشعبيه الغربية.
يبدو ان سوء استخدامي التعابير و المفردات ادى الى احتدام سوء التفاهم
مرة أخرى اعتذر من استاذي الفاضلين كقارئ تجاوز دوره فأساء استخدام القلم
و دمتم كما تحبون


فى آخر كلمة فى المقطع الثا..


