الكاتب زهدي حسني الزمر الجمعة, 18 يونيو 2010 22:27
جاء الخريف ذاك العام مبكراً ينبىء بقدوم شتاءٍ بارد صعب ، وكان شهر اكتوبر ابرزعلامات قدومه نسماته الطرية التي تهب فيه من حين لاخر ، كانت " ام عايد "في كل يوم تقدم تنبؤاتها بحالة الطقس ، كانت تمتلك موهبة الاستشعار بتغيرات عناصره كراصد جوي ،
الشوارع بين بيوت المخيم متباعدة تسمح لها ان تطل من باب الغرفة الطينية او باب الخيمة المنصوبة بجوارها ، وتنظر الى السماء تستطلع حالة الطقس، في هذا الشهر حين تنتصب اعمدة الغبار مثل جني مد جسده بين الارض والسماء و حين تكون السماء مدهونة بسحب السمحاق الرقيقة العالية مثل القطن الابيض تشبه لوحة سريالية ، تخبر " ام عايد " اولادها وجاراتها ان طقس اليوم معتدل سيعقبه في الغد منخفض جوي ، كانت تسلي نفسها على هذا الحال والمنوال ، لحالة الضجر القاتل
التي تعيشها في المخيم ، كانت تقوم بين نساء الحي بدور الناصح الراشد ، الواعظة في امور الدنيا والدين وتربية الابناء فهي في مقام بوذا وكونفوشيوس ، تعطي الحكمة واسداء الرأي لمن تستشيرها من النسوة ، اللواتي يحترمن رأيها ويستمعن لها ، ، علمتهن العمل الجماعي والتضامن لقهر الجوع والفقر ، وكلما اقترب الشتاء تدعوهن للحرص في تخزين قوت ومؤنة الشتاء ، لان الامطار الغزيرة والبرد القارس لا يرحم ، المطر ينهمر ثلاثة ايام او اربعة بلياليها مثل المزاربيب ، والجو فيه بارد جداً جداً ، برودته ُتجمد اصابع اليد ين والقدمين ، في فترات الصحو القصيرة كانت توزع ايام الاسبوع للعمل مع النسوة ، تدعوهن يوماً لعمل الشيعيرية وتجفيفها ، تجهز العجينة وتقطعها كرات صغيرة ويفتلنها بأيديهن كخيوط رفيعة طويلة تُرمى على شجيرات البلان و النتش لتجفيفها ، يُحضر تلك الشجيرات صبيان الحي من مخبز " الحلو " القابع وسط المخيم ، والمخبز مصدر الطاقة في المخيم ، يستخدم نوى التمر الذي يحضره من مصنع السبيرتو القريب من السيل ، ونويات التمر المتفحمة بعد انتهاء الخبيز يبعيها لاهالي المخيم للتدفئة في ليالي الشتاء الموحشة ، توضع في مواقد طينية يتجمع حولها افراد العائلة داخل الخيمة كما يتجمع الهنود الحمر حول مواقد النيران ،، كانت تخصص يوماً اخر لتجفيف البامية ، تلتقط النسوة اصابع البامية وتلضمها بخيط على هيئة قلائد او سبحات طويلة تجفف في الظل ، تعلق القلائد على مسامير مدقوقة في جدران الغرف الطينية وعلى حبال الخيمة ، كانت اكثر الايام صخباً وهرجاً وزحمة ، يوم تحضير عصير الطماطم ( ُرب البندورة ) ووضع العصير على النار لتكثيفه وتخزينه لايام الشتاء الصعبة ويبنما تعد النسوة عصير الطاطم،واثناء غليانه على الناركانت كل واحدة منهن تستعيد ذكرى الهجرة وتحكي قصتها كيف خرجت وعائلتها من يافا ، اللد ، الرملة ، بيسان وغيرها كلهن يشتركن بوجع واحد وفقر واحد.
وما ان يحل الشتاء وتأتي السحب السوداء ، وتبدأ السماء تلمع بالبرق، والرعد يدق البيوت الطينية ويهزها هزاً ، والريح تصفر وتزمجر مهددة بأقتلاع الخيام من اوتادها ، وهدير السيل وطوفان الماء في مجراه يجر الصخور والحجارة ، وفيضان الماء على ضفتيه حينذاك تحسب ان يوم القيامة اقترب ، كانت ام عايد تربط الخيمة بكيس الدقيق لتثبتها وتمنع الريح من اقتلاعها ، يساعدها ابنها عايد في تصريف الماء حول الخيمة لمنع تسربه لداخلها وحتى لايصبح داخل الخيمة مثل خارجها ، ليس لديها داخل الخيمة اثاث عدا اناء كبير تعجن فيه الدقيق ، واناء اخر مخصص لغسل الملابس ، كانت تعجن مرتين في الاسبوع ، تقطع العجين بعد تخميره اقراص مكورة ، ترص الاقراص على فرش خشبي بعد رش سطحه بالدقيق حتى لا يلتصق العجين بخشب الفرش ، عدد الاقراص عشرة ، كل قرص مكتنز بحجمه عن ثلاثة اقراص او اربعة لتوفير اجرة خبزه في مخبز " الحلو " مهمة عايد حمل فرش العجين والاقراص الى المخبز ، يحتار عايد في حمل الفرش ، وأسهل طريقة لحمله ، وضع الفرش على رأسه ، يشق به عنان الازقة والشوارع الطينية اللزجة . ذات يوم حمل عايد فرش العجين وتوجه للمخبز ، باغته المطر ، فتحت السماء ابوابها واندلق منها ماء البحار والمحيطات، منتعلاً صندلاً مصنوعاً من اطارات السيارات القديمة ، بصعوبة تكاد تنغرس داخله مشط قدميه ، قطع اول زقاق وفرش العجين الخشبي على رأسه ، ينقل قدماً ويتحسس موطأ القدم الاخر ، مشى مشية البطريق في طريق الطين حتى وصل باب المخبز ، فُركت تحت صندله بعض حبات نوى التمر ، زلت قدمه واندلق فرش العجين من فوق رأسه ،انسكبت اقراص العجين الامامية في الفرش ولامست الطين ، لملم الاقراص والتقط ما علق بها ومسح الطين عنها بكمه ، ركز فرش العجين على ركبته ، نهض ودخل المخبز ، تغشاه علامات الخوف والجزع ، يلحظها كل من ينظر في وجهه وملامحه ، وضع فرش العجين وانتظر دوره ، وصل فرش العجين امام الخباز ، التقط " الحلو " القرص الاول من الفرش ، رفعه لرقه وفرده موجهاً كلامه الى عايد : ماذا في الامر ؟؟ هل امك اليوم خالطة الدقيق بالطين ؟؟ قهقه كل من في المخبز حتى " سعدو " البهلول مساعد " الحلو " في الفرن ، مما زاد غيظ عايد وحنقه وغضبه ، مشفقاً على امه التي يساوي كل رغيف بالنسبة لها حياة احد اطفالها ، امسك الخباز القرص الثاني واخذ يرقه ويفرد اطرافه ، رفع صوته ممازحاً الزبائن ، ما حال الخبز يا ناس هذه الايام ؟؟؟ العجين مخلوط بالكاكاو !! فضحك كل الزبائن مرة اخرى ، عايد لم يسمع في حياته شيىء اسمه الكاكاو !!! تمنى لو ان الارض تنشق وتغور بمخبز الحلو وزبائنه ، خُبزت الاقراص جميعها ، رصها عايد على الفرش ، خرج من المخبز وتنفس الصعداء ، قلع صندله من قدميه ومشى حافياً في الطين ، امسك بفرش الخبز على رأسه متوخياً الوصول لخيمته سالماً ، المطر فاجأه بسقوطه الغزير مع ندف بلورات ثلجية على هيئة القطن ، يا الهي !!! الخبز ان تبلل يتحول عجيناً ، سنجوع هذا الاسبوع ، الدقيق كميته محسوبة علينا ، وحصتنا محدودة من وكالة الاغاثة ، يتمتم بهذه الكلمات طول الطريق ، ينقل قدميه بين تجمعات الماء والطين ، تشد يديه فرش الخبز على رأسه وتثبته حتى لا يسقط اي رغيف منه في الطين ، احس ان رقبته انغرست بين كتفييه، وصل باب الخيمة بعد ان اعياه التعب وبلله المطر وجمد اطرافه البرد القارس ، نادى امه لمساعدته ، واخو ته الصغار ينتظرون الخبز الساخن بلهفة كفراخ طيو ر جائعة ، انزلت امه فرش الخبز عن رأسه ولمحت الخوف الذي يعتريه ، الا ان الصمت غار في صدرها والاستهجان احزن قلبها من لون وشكل ارغفة الخبز ، لكنها لم تنبس ببنت شفة ، لكن شفتيها كانتا ترتعشان ، لاذ عايد بالصمت والخجل من امه التي تعرف الشتاء واهواله واحواله ، رفعت الارغفة المبللة من الفرش وفردتها مباعدة بينها على خرقة من قماش لتهويتها وتجفيفها ، ثم استدارت واشعلت السراج في الخيمة لدنو الليل وقدر العدس المجروش اقترب من النضج فوق بابور الكاز ، مد يده وجذب الرغيف المخلوط بالطين الذي وصفه الخباز "الحلو " بالكاكاو !! مزقه قطعاً صغيرة ، ملأ بها صحن الالمنيوم المخصص لوجبة حساء العدس والفت ، سكبت االام حساء العدس فوق قطع الخبز ، ابتلع عايد الخبز والطين مع مرق العدس الساخن كما ابتلعت صباه حياة البؤس والشقاء
زهدي الزمر ©
18 يونيو / حزيران 2010
تفاصيل قد تبدو صغيرة لكنها تؤرخ للوجع الفلسطيني بشكل مؤثر وفعال وينبض بالحزن والأصالة
رائع أستاذنا القدير زهدي الزمر
دام لك الألق
تقديري واحترامي
أرسلت بواسطة زهدي الزمر , يونيو 21, 2010
مرورك على قصة " عجين وطين " وتعليقك عليها زادني ثقة في الكتابة والتأريخ لمرحلة زمنية اخشى ان تمحى وتتلاشى من خاطرة الزمن كما ان الهدف منها التوثيق انثروبولوجياً لطريقة حياة الناس في تلك المرحلةومضمون ما كتب فبها وفي قصص اخرى هو تسجيل حي وواقعي لتلك المشكلة والقضية وانا استلهم من تشجيعكم ومؤزارة اقلامكم المضي في عرض هذا المشهد الذي نادراً في التاريخ ان حدث مثله ؟؟؟
لك التقدير والاحترام
زهدي الزمر
أرسلت بواسطة زهدي الزمر , يونيو 21, 2010
مشاركتك لي الوجع الفلسطيني ومعايشتك اجواء الغربة والرحيل ، فأنني اقدر لك وقفتك تلك ، وقلمك النابض بنزاهة وموضوعية الفكر والرأي هو اكبر دافع لي للاستمرار في عرض هذه المشكلة لغربة شعب وتشرده لما يزيد على ستين عاما فكنت اخشى ان تضيع تفاصيل تلك الفترة، والتوثيق لها انثروبولوجياً حتى تعرض بشكل حي وواقعي .
مؤارتك لي وقلمك الذي يشجعني وسام شرف كبير اعتز به .
لك دوماً الاحترام والتقدير
زهدي الزمر
أرسلت بواسطة زهدي الزمر , يونيو 21, 2010
كم يشعر الانسان بالفخر حين يقف الى جانبه صاحب قلم نزيه ورصين يتحسس الم ووجع الاخرين ، ان مرورك على قصة " عجين وطين " وانت تشمين رائحة الخبز الممزوج بالطين لا شك تعرفين حجم المعاناة والقهر والوجع لتلك المرحلة .
تشجيعك لي مصدر قوة للبحث والتنقيب عن تفاصيل حياة الناس في تلك الحقبة الزمنية وقلمك الرصين النزيه مصدر الهام لي ووسام اعتز به .
لك احترامي وتقديري
زهدي الزمر
قصة بتفاصيلها الدقيقة الدقيقة تؤرخ الوجع لسكان الخيام حقا
وما اصعب الجوع والحنين الى رغيف خبز ساخن مغموس بحبات العرق تحت رشات المطر
ربما كان طعم ذلك الرغيف المغموس بالطين قبل العدس من اعذب ارغفة الخبز التي لم يذقها عايد في حياته
شكرا للأديب زهدي الزمر وحقا باتت التفاصيل في قصصك من سمات كتاباتك الجميلة والتي تدفعنا دائما للقراءة لك
أرسلت بواسطة سفيان شعبان , يونيو 21, 2010
أعدت لنا ذكريات المخيم التي عاشها أبائنافي ذلك الوقت ، ذكريات ستبقى خالدة في وجدانهم و خالدة في ذكرانا عن طريق ققصصكم التي تشوقنا وتعود بنا الى ذلك الزمن الجميل ، زمن الطموح و الوقوف في زمن الصعبوات ،زمن الارادة و الاستمرارية في ظل الطرد و التعسف على أهلنا من طرف الصهاينة الطغاة .
بالفعل من خلال القصة أحسست على أني أشاهد تفاصيل القصة كأنها فيلم او اراها بعيني ، أدخلت كل كبيرة و صغيرة في الرواية ، القصة تثير اهتمام القارئ أي تجذب اهتمامه و يزداد شغفه على كل سطر يقرأه .
نتمنى لك الاستمرارية و كل التوفيق في كتاباتك الرائعة و التي تعود بنا إلى مخيماتنا التي صمدت وأنتجت أدباء مثل سيادتكم وأخرون نجحوا في ظل تلك الظروف .
مع تحيات : سفيان شعبان
كان بودي أن أكون في بيتي وأمام حاسوبي حتى أستطيع أن أعبر لك عن حقيقة شعوري أثناء قرائة قصتك ولكنني خارج موطن إقامتي وأعتمد على لحظات أخطفها من حاسوب مضيفي فأعذرني.
ما أود أن أكتبه كثير ولكنني سأختصر برمزية الخبز المغمس بالطين والتراب وهي صورة رائعة لتصوير حياة الفلسطيني في المخيم. فمتى يا أخي نتحرر من هذا المخيم ويعود خبزنا صافيا من طحين قمح فلسطين المعجون بزيت زيتونها والمغمس بزعتر جبالها؟
أحييك وأرجو لك دوام العطاء
أخوك نضال الصالح
أرسلت بواسطة زهدي الزمر , يونيو 25, 2010
دوماً تغمرني كلماتك وعبارتك وتشجيعك لي يزيدني اعتزازاً بك ومرورك على قصة " عجين وطين " وسام اعتز به وتشريف لي يدفعني لكتابة وتوصيف مرحلة هامة من عمر قضية لا يماثلها قضية في التاريخ حتى لا تضيع تفاصيلها ومعاناة اهلها لاكثر من ستة عقود ...؟؟
دوماً لك محبتي وتقديري
زهدي الزمر
أرسلت بواسطة شريف حداد , يونيو 30, 2010
نعم ابتلعت صباه حياةالبؤس والشقاء كما ابتلعت كرامتنا حياة الخنوع والصمت أمام التعنت والجبروت!
شكراً لك على السرد الرائع الذي من خلاله جعلتنا نلمس ونعيش ألم شعبنا وأهلنا المهجّر.
من الشتات ابنكم
شريف حداد


فى آخر كلمة فى المقطع الثا..



لك منى اعطر تحية لاجمل كلمات وادق وصف لقد جعلتنى اعيش ولو للحظات داخل حياة المخيمات التى لولا امثالك من المبدعين ما علمنا عنها شيء
لهم الله ولنا نصيب من المسؤلية
تقبل وافر احترامى ومودتى
ايناس الملاح